تجارة الموت

00:10 صباحا
قراءة دقيقتين

تعيش الولايات المتحدة أسوأ كوابيسها مع انتشار الجريمة في ساحاتها وأسواقها ومدارسها، حيث أصبحت أشبه بساحة حرب، مع الهجمات المتكررة على المدنيين، ومنها الاعتداء الذي وقع مؤخراً من «مختل» على مدرسة ابتدائية في تكساس قتل فيه 21 شخصاً بينهم 19 طفلاً، في حين تعج وكالات الأنباء بحوادث يومية تتم بواسطة أسلحة نارية فتاكة. وهذا ليس مستغرباً إذ بلغ عدد الأسلحة الفردية الموجودة في أيدي المدنيين حوالي 400 مليون قطعة سلاح في دولة يبلغ تعداد سكانها نحو 300 مليون نسمة، بينما ما زالت الأرقام في ازدياد، حيث تضخ مصانع الأسلحة البالغ عددها 16936 ملايين القطع. إذ أنتجت في عام 2020 وحده أكثر من 11 مليون بندقية، فضلاً عن استيراد الملايين، ليتسبب هذا التصنيع والاستيراد «المنفلت» بتصاعد الجرائم بشكل مخيف، في ظل فشل حكومي أمام لوبيات الأسلحة.
 الأرقام أظهرت أيضاً أعداداً مهولة من البشر تقتل يومياً بهذه الأسلحة، حيث ارتفع معدّل جرائم القتل في 2020 إلى 6.5 لكل 100 ألف شخص، أي أكثر من 21 ألفاً و500 جريمة قتل، وما يعادل 59 جريمة في اليوم، بينما استمرت معدلات الجرائم في الارتفاع في 2021.
 لكن أمام هذه المعطيات فإن الإدارة الأمريكية الديمقراطية تبدو مكبلة في اتخاذ قرارات حازمة لتقييد السلاح، إذ يستطيع أي أحد الحصول عليه، وتنفيذ مجازر يقتل بها العشرات، فالرئيس الأمريكي جو بايدن يحاول جاهداً وضع حدود ناظمة للتجارة وحيازة الأسلحة، إلا أنه يلقى مقاومة شرسة من لوبيات السلاح، إضافة إلى دعم الحزب الجمهوري لحيازتها، بل إن بايدن توجه بخطاب يائس قائلاً: «متى، حبّاً بالله، سنقف بوجه لوبي الأسلحة؟»، مشدداً على وجوب تشديد قوانين بيع الأسلحة النارية وحيازتها، لا سيما الأسلحة الهجومية، وقال مهاجماً تجار الموت: «لقد أمضى مصنعو الأسلحة عقدين من الزمن في الترويج بقوة للأسلحة الهجومية التي تعود عليهم بأكبر الأرباح». في حين وصف الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما الولايات المتحدة بأنها «مشلولة».
 تحركات بايدن ومن خلفه حزبه، نجحت جزئياً رغم الضغوط برفع سن الحيازة من 18 عاماً إلى 21 في نيويورك التي يحكمها الديمقراطيون، كما تم تمرير حزمة إصلاح قوانين لحيازة الأسلحة في الولاية، منها أنه يتعين على مشتري البنادق شبه الآلية الحصول على إذن لحيازتها، ما يعني خضوعهم لتحقيق مرتبط بتاريخهم.
 لكن ذلك ليس كافياً، فهذا الإصلاح لم يشمل الأراضي الأمريكية كافة، لكنه قد يكون مقدمة كي تحذو ولايات غيرها نفس الخطوة، والتحلل من ضغوط اللوبيات، لأن ذلك سيكون أجدى في حفظ الأرواح، ووقف حملات العنف التي يروح ضحيتها الآلاف.
 ثمة أصوات كثيرة تريد تبديل فصول الدستور، إذ إن مبررات وجود المواد التي تبيح للمدنيين حمل السلاح، انتهت مع انتهاء الحرب الأهلية.. فهل تتغلب هذه الأصوات على إرث ثقيل يدعمه متنفذون ومستفيدون، أم تبقى أرواح الناس تحت رحمة عبث تجار الموت؟
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"