القاهرة:«الخليج»
الأمراض النفسية منتشرة بين الناس، غير أن الكثيرين عادة لا يفطنون إلى ذلك، ومن مظاهر الاضطرابات النفسية الشائعة الشعور بالنقص، وفقدان الثقة بالنفس، وكثرة التردد، والخوف من الإقدام وتحمل المسؤولية، والوساوس والأوهام والمخاوف المتعددة، التي تستولي على الإنسان وتستهلك طاقته العقلية. والعلاج النفسي اصطلاح يطلق على كثير من الوسائل السيكولوجية، التي تستخدم في علاج الأمراض النفسية والعقلية، وقد يستخدم هذا الاصطلاح أحياناً بمعنى أعم، فيطلق على جميع الوسائل العلاجية، التي تستخدم في علاج هذه الاضطرابات، وبهذا المعنى يشمل العلاج النفسي العقاقير والجراحة والحمامات والصدمات الكهربائية، وغير ذلك من الوسائل العلاجية الطبية والطبيعية.
التحليل النفسي طريقة خاصة للعلاج، ظهرت لأول مرة على يد سيجموند فرويد في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ثم ما لبثت هذه الطريقة في العلاج أن اكتسبت شهرة عظيمة، وانتشرت تعاليمها في جميع أنحاء العالم، وفي تقديمه لترجمة كتاب «معالم التحليل النفسي» لفرويد، يستعرض الدكتور محمد عثمان نجاتي تاريخ علاج الأمراض النفسية والعقلية في العصور السابقة لفرويد، لكي نتعرف إلى الظروف والعوامل المختلفة التي مهدت لنشوء التحليل النفسي.
بعيداً عن الحضارة
يرى الدكتور نجاتي أنه من الخطأ اعتبار الأمراض النفسية والعقلية وليدة العصر الحديث، بما فيه من تعقيد لوسائل الحياة، فقد دلت أبحاث علماء الأنثروبولوجيا على وجود الأمراض النفسية والعقلية بين أفراد القبائل البدائية، التي تعيش في بساطة فطرية، لم تمتد إليها آثار الحضارة الحديثة.
ودلت الأبحاث التاريخية أيضاً على وجود هذه الأمراض في عصور التاريخ القديمة، غير أن فهم الإنسان البدائي لهذه الأمراض يختلف كثيراً عن فهم الإنسان المتحضر لها، فالإنسان في العصور القديمة لم يكن يعتبر هذه الاضطرابات نوعاً من المرض مثل بقية الأمراض البدنية الأخرى، بل كان يعتبرها روحاً شريرة تملكت جسم الإنسان، وتغلبت على الروح الطيبة فيه، لذلك كان يعالجها بالسحر والشعوذة والتعويذات.
وقدر لبعض فلاسفة اليونان وأطبائهم أن يقوموا بأول محاولة في التاريخ لتخليص الأمراض النفسية من أوهام السحر والشعوذة، إذ نظروا إليها نظرة علمية ودعوا إلى معاملة المصابين بها بما يستحقون من عناية، ويعد ألكميون أول فيلسوف يجعل المخ مركزاً للعقل، واعتبر الاضطرابات العقلية ناتجة عن اضطرابات تصيب المخ، وذهب أبقراط إلى أن الأمراض العقلية ناشئة عن أسباب فسيولوجية، ونسب للمخ دوراً مهماً في حدوثها، وخلف أبقراط وصفاً لكثير من الأمراض العقلية، وتصنيفاً لأنواعها المختلفة، ما زال بعـضــها باقياً حتى الآن في صورة معدلة.
ويشير الدكتور نجاتي إلى أنه بسقوط الدولة الرومانية، انخفض المستوى العقلي بين الناس، وضعفت روح البحث العلمي، وسادت الخرافات والشعوذة والسحر مرة أخرى، وضعف سلطان الأطباء في معالجة الأمراض النفسية، وحل محلهم رجال الكنيسة، الذين اعتبروا هذه الأمراض مساً من الشيطان، وكانوا يلجأون إلى وسائل قاسية في العلاج كالتعذيب بقصد إيذاء الشيطان، بل كانوا يعتبرون أحياناً المرضى من أعوان الشيطان، فكانوا يحاكمون ويقضى عليهم بالحرق والقتل.
وبينما كان الجهل مخيماً في بلاد الغرب في العصور الوسطى كان نور العلم يضيء العالم الإسلامي، وكان للطب شأن رفيع، وأحسن الأطباء معاملة المصابين بالأمراض النفسية، وأدركوا حقيقة العلاقة بين النفس والجسم، ونجح هؤلاء الأطباء مثل ابن سينا والرازي في علاج كثير من الأمراض العقلية والبدنية، مستخدمين وسائل مختلفة منها الإيحاء والتسلية، وبذلك – كما يؤكد نجاتي – يكون أطباء الإسلام قد سبقوا أطباء الغرب بحوالي ثمانية قرون في نظرتهم إلى الأمراض العقلية نظرة علمية صحيحة، وفي ابتكارهم وسائل ناجحة للعلاج النفسي.
وفي أثناء العصور الوسطى وأوائل عصر النهضة، ظهر في الغرب رجال تحررت عقولهم من ظلمة الجهل، التي كانت مخيمة حولهم، وأخذوا يوجهون عنايتهم نحو البحث في حقيقة الطبيعة الإنسانية وفي أسباب الاضطرابات النفسية والعقلية، وعنوا بدراسة دوافع السلوك الإنساني، وخلفوا وصفاً دقيقاً لدوافع الأنانية والحب والغيرة، وتحدثوا عن تعارض بعض الدوافع والمشاعر، وهو ما أطلق عليه «التناقض الوجداني».
تقدم ملحوظ
في القرن الثامن عشر بدأت مستشفيات الأمراض العقلية تتحرر من كثير من مساوئ العهود الماضية، وذلك بفضل الطبيب الفرنسي فيليب بينل الذي رفض المعاملة السيئة، التي كان يتلقاها المرضى، فعمل على تخليصهم من السلاسل ومن الحجرات المظلمة، ومنع إساءة معاملتهم وتعذيبهم.
وحين اقتنع الأطباء بأن الهستيريا مرض نفسي، ظل جمهور الأطباء يعالجونها بالتنويم المغناطيسي، وسرعان ما ظهرت عيوب هذا العلاج، وكانت هذه العيوب هي ما دفع فرويد إلى البحث عن وسيلة أخرى للعلاج تكون أكثر نجاحاً، وقد انتهى بحثه إلى اكتشاف نظرية التحليل النفسي.