اختفاء الكتابة

00:17 صباحا
قراءة دقيقتين

هل تختفي الكتابة ويعود البشر إلى عصر الشفاهية؟ يذهب البعض إلى ذلك، وتؤكد بعض مظاهر مناخ العصر ما يذهبون إليه، ولكن هل تنتج العودة إلى الشفاهية عن تراجع الحضارة أم تقدمها الفائق؟.
  في العديد من أدبيات الخيال العلمي والسياسي، يأتي على البشر زمن لا يهتمون فيه بالكتاب وربما الكتابة. في رواية «الطاعون القرمزي» لجاك لندن يجلس الجد ليحكي لأحفاده الناجين من الطاعون قصة حضارة كانت تحتفي بالكتابة، لقد انتهت حقبة الكتابة في الرواية بسبب انهيار الحضارة. أما في «1948» لجورج أورويل فالكتب ممنوعة بسبب رقابة الأخ الأكبر، وفي «عالم شجاع جديد» لألدوس هكسلي لم تعد الحضارة فائقة التقدم في حاجة إلى صداع الفكر الموجود في الكتب. ما أشارت إليه هذه الأعمال وغيرها أن الكتب ليست ضرورة بشرية، وربما ضمناً الكتابة كذلك، ولكن إذا وصلنا إلى مرحلة لم يعد فيها للكتاب أي مكان، فهل نتوقف يوماً عن حاجتنا إلى الكتابة..إلى التعبير عن أفكارنا وآرائنا؟.
   في العقود الثلاثة الأخيرة بدأت الكتابة نفسها تسير باتجاه الاختزال. منذ سنوات ليست طويلة أكد أحد الشعراء أن مستقبل الكتابة في المقال، نظراً لأنه لا يحتاج إلى الكثير من الوقت في القراءة مثل الكتاب. ولم تمر سنوات أخرى حتى بدأت التكنولوجيا تفرض قوانينها على الكتابة في مختلف الأشكال الأدبية، فوجدنا أنفسنا أمام الرواية التفاعلية، والقصيدة الومضة، وبدأت التقارير والتحليلات المطولة في الاختفاء، حتى الكتب يبدو أنها أصبحت أصغر، وباتت مختلف أوجه الكتابة تلبي احتياج قارئ متعجل لا يهتم بالوقوف مطولاً على خلفيات الأحداث ولا يحب التفاصيل.
   قبل ذلك بسنوات كنا أمام متوالية من الإعلانات عن نهاية عدة وظائف كان أصحابها من أهم القوى الفاعلة في الكتابة، مثل الإعلان عن نهاية المثقف، موت الناقد، موت المؤلف، نهاية الأفكار الكبرى، ولنا أن نتخيل أيه كتابة موزونة من دون مؤلف أو مثقف.
  هل يقدم أحد مفكري ما بعد الحداثة على التنظير قريباً لعصر «نهاية الكتابة»؟ صحيح أن الأفكار لم تنته والمثقف أو المؤلف لم يموتا، ولم تكن هذه المقولات إلا مجازات ولكنها مجازات معبرة عن واقع متحول، فالأفكار مع وجودها بكثرة لا تغري بالجدل أو النقاش أو الصراع، موجودة ولكنها باردة أو راكدة، ولم يعد المؤلف أو المثقف ذلك الرمز المؤثر في البشر واتجاهات الرأي العام. وصحيح مرة أخرى أن الكتابة موجودة، بل ربما نعيش في زمن يمارس فيه معظم البشر الكتابة، ولكنها كتابة ينطبق عليها التعبير الكلاسيكي «لا تشبع ولا تغني عن جوع»، كتابة «تيك أواي» أو كتابة مهما اتسعت لا تختلف كثيراً عن «التغريدات»، كتابة ما نود قوله للآخرين بسرعة ومن دون تمهل أو تأمل أو تفكير.
  ما يوشك على الاختفاء بالفعل، الكتابة الوازنة، تلك التي تخاصمها روح العصر، وما سيبقى تلك الكتابة الأولية أو الأداة التي تحافظ على التواصل بين البشر من دون وجع الرأس.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"