الحرب العالمية الثالثة

00:27 صباحا
قراءة 3 دقائق

لا جدال في أن الحرب الروسية على أوكرانيا هي الأكبر والأخطر بعد الحرب العالمية الثانية. ولقد شهد العالم في عقود سنوات الحرب الباردة وما بعدها، عدة حروب والتي على الرغم من كبرها أحياناً، ومشاركة قوى دولية عظمى فيها، فإنها لم تكن تعكس تأثيرات شاملة في موازين القوى العالمية.
 فنحن نتذكر أولى تلك الحروب، وهي الحرب الكورية في مطلع الخمسينات. ومن ثم الحرب في فيتنام التي تناوب على المشاركة فيها قوى كبرى وعظمى مثل فرنسا ثم الولايات المتحدة الأمريكية، واستمرت طوال عقدي الخمسينات والستينات.
 ونتذكر أيضاً الحروب الإسرائيلية – العربية المتعددة، والحرب في أفغانستان التي شهدت غزو دولة عظمى لها هي الاتحاد السوفييتي عام 1980. كما نتذكر كذلك الحروب العراقية مع إيران والكويت، ومن ثم حروب كثيرة منها الحروب في ليبيا وسوريا واليمن.
 وكانت كل هذه الحروب ذات صفة «موضعية»، وتأثير محدود النطاق في الأغلب، بينما في حالة الحرب الأوكرانية الحالية التي بدأت في 24 شباط/فبراير الماضي، اختلفت الأمور بصورة جذرية.
 وعلى الرغم من أنها حرب في نطاق جغرافي محدد هو الجغرافيا الأوكرانية، فإن المشاركين فيها يكاد يقارب عددهم كل الدول الأوروبية والغربية، فيما ينعكس تأثيرها الاقتصادي والغذائي كما السياسي في كل دول العالم من دون استثناء. هي أقرب إلى حرب عالمية ثالثة منها إلى أي شيء آخر.
 ومن أهم «ميزات» هذه الحرب أنها تقع في الجغرافيا الأوروبية وتداعياتها تطال كل دول أوروبا، وهذا يحدث للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية التي تركت القارة العجوز في خراب ودمار هائلين، وخسائر بشرية بعشرات الملايين.
 وما يفاقم من تداعيات الحرب، ويعمّق من طبيعتها أنها تنطلق وفقاً لروسيا من أسباب تتعلق بالأمن القومي والاستراتيجي الذي تتداخل فيه العوامل التاريخية بالثقافية والجغرافية والدينية والمذهبية، وتتعدى تبعاً لذلك مجرد حماية مصالح روسيا الاقتصادية او الأمنية مثلاً. وهذا النوع من الحروب والصراعات لا ينتهي، ويتناسل من جيل إلى جيل، وعلى امتداد قرون. تماماً على سبيل المثال مثل الصراع بين تركيا واليونان.
 وينبغي عدم الاستخفاف بالذرائع الروسية للحرب والدفاع عن الهوية الروسية التي تتعرض وفقاً لموسكو لمخطط خنقها، تمهيداً لقتلها وتحويلها إلى دولة عادية وهامشية.
 لكن الإصرار الروسي هنا يحمل طابع التحدي للغرب من خلال محاولة وضع حدّ لطموحات حلف شمال الأطلسي بزعامة الولايات المتحدة لاختراق الفضاء الجيوستراتيجي الروسي. فيما تجد دول القارة الأوروبية نفسها ضحية الصراع بين الجبارين الروسي والأمريكي. فأوروبا لا يعنيها الكثير أن تكون أوكرانيا عضواً في حلف شمال الأطلسي أو لا؛ لذلك فإن توريطها من قبل واشنطن في حرب طويلة المدى كُرمى لهدف لا ناقة لها فيه أو جمل، يضعها (أوروبا) أمام تحدي الوقوف في وجه المخططات الأمريكية نفسها، خصوصاً أن روسيا لا تضع هدفاً توسعياً لها سوى ألا تكون الدول المجاورة جغرافياً منطلقاً لتهديد الأمن الروسي.
 تشكل الحرب الأوكرانية فرصة «ذهبية» للولايات المتحدة من أجل استنزاف روسيا وإضعافها اقتصادياً، وعزلها دولياً. كما أنها فرصة لواشنطن من أجل «تركيع» أوروبا، وإخضاعها بالكامل لإرادتها وإملاءاتها، ومنعها من التفكير بأن تكون مستقلة في قراراتها ولو نسبياً عن الولايات المتحدة، كما حاولت أكثر من مرة بعد انتهاء الحرب الباردة، وحتى أثناء هذه الحرب مع انسحاب فرنسا شارل ديغول من الجناح العسكري للحلف.
 وتبعاً لخطط الاستقلال الغربي الكامل عن روسيا في مجال الطاقة، وتبعاً لمضي روسيا في حرب تقسيم أوكرانيا حتى النهاية، فإن خريطة التوازنات العالمية تتغير مع كل يوم يمر. ولا يبدو أن هناك إمكانية لوقف الحرب في الوقت المنظور، كما لا إمكانية للعودة إلى التوازنات والشراكات والاتفاقات التي كانت قائمة بين دول وقوى مختلفة في العالم.
 لذا لا أحد يستطيع، في الوقت الراهن، أن يتوقع صورة العالم المقبلة، لكن الأكيد أنها ستكون منقلبة رأساً على عقب ومملوءة بالانقسام والحقد والكراهية. كأن أحداً لم يعتبر من حربين عالميتين مدمرتين لم تمضِ عليهما بضعة عقود، لنكون أمام تدمير جديد للبشرية التي يبدو أنها لا تستطيع الاستمرار على قيد الحياة من دون أن تتغذى بالألم والدم.

عن الكاتب

باحث ومؤرخ متخصص في الشؤون التركية .. أستاذ التاريخ واللغة التركية في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية.. له أكثر من 20 مؤلفاً وعدد من الأبحاث والمقالات

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"