مرة عاشرة.. عن الترجمة

00:03 صباحا
قراءة دقيقتين

الترجمة فن وثقافة وإبداع، وهي قبل ذلك شغف وولع. شغف بالثقافة التي يحملها الأدب المترجم، وولع بلغة هذا الأدب، وبالطبع، الولع بلغة البلد التي أنتجت هذا الأدب، أي أن المترجم في هذه الحالة هو ابن بيئة ذلك البلد الثقافية واللغوية والجمالية، ويحمل بالضرورة قيمة أدبية وأخلاقية تجاه البلد وتجاه نفسه حين يترجم هذا الأدب المولع به، والشغوف بإشاراته الثقافية والجمالية.
كل ما سبق، وإن كان وجهة نظر شخصية من جانب كاتب هذه السطور، إنما ينطبق تماماً على الشاعر والمترجم العراقي هاتف جنابي المقيم في بولندا منذ أوائل الثمانينات، والفضل الثقافي يعود إليه في تعريفنا المباشر بالشعر البولندي بشكل خاص. وهنا نعرف أن ترجمات جنابي عن البولندية إلى العربية هي بلا وسيط لغوي ترجماني. إنه كما يقال يقطف التفاحة من الشجرة ويقدّمها إليك بلا ثقافة تسويقية، كما هو الحال عند العشرات من المترجمين العرب الذين يعيشون على اللغة الإنجليزية تحديداً حين يجعلون منها لغة وسط في الترجمة، مثلاً، ترجمة الشعر الألماني إلى العربية عبر الإنجليزية أو عبر لغة أخرى مقروءة واسعة الانتشار مثل الفرنسية.
هاتف جنابي يقطف من الشجرة. نقل الكثير من الشعر البولندي إلى العربية مباشرة من لغته الأم إلى «الأم العربية»، ومرة ثانية شغوفا بالثقافة البولندية، ومولعاً بلغتها التي أنجبت مئات الشعراء البولنديين بعلاماتهم الأدبية الأوروبية الفارقة.
من بين هؤلاء «زبيغنيف هربرت 1924_1998»، نقله هاتف جنابي إلى العربية في العام 2020 وصدرت مختارات من شعره اقترحها جنابي في أكثر من 400 صفحة من القطع الكبير عن دار «روايات» ومديرها الشاعر المثقف أحمد العلي الحاضر بتفاؤل دائماً في معرض الشارقة الدولي للكتاب.
وضع هاتف جنابي مقدمة وافية حول حياة ومواقف وشخصية «زبيغنيف هربرت» الذي رفض في مرحلة من حياته، حيث الابتزاز السياسي، أن يتجسس على زملائه الكتّاب والشعراء في بولندا.
في تعريفه لنا بهذا الشاعر الذي شهد الحربين العالميتين يكتب جنابي: «يبقى هربرت شاعراً ومثقفاً عميقاً حالماً بعالم أكثر جمالاً ونبلاً وإنسانية. كان يحلم بواقع مغاير للعالم الذي عاش فيه وكان ينظر إليه على أنه فاقد للقيم الحقيقية وللأخلاق. متهالك على المال والجاه والقسوة». وكان «هربرت» كما وصفه جنابي: «يرى في الشعر مجالاً وأداة للتنفيس والتنفّس والتأمل وتصفية الحساب مع رداءة العالم».
كيف يمكن لشاعر فرد كل سلاحه مجرد قصيدة من بضع سطور أن يصفّي حسابه مع رداءة العالم؟، ذلك هو ما يمكن أن تتوقف عنده حين تقرأ «هربرت» الذي يميل عادة إلى القصائد القصيرة، وهو إجمالاً ليس شاعر مطوّلات، وفي شعره فكر أكثر مما فيه مواقف سياسية فاقعة اللون على طريقة الكثير من شعراء الإيديولوجيا والتسييس المكشوف بحيث يفقد الشعر الكثير من براءته ولونه الأبيض.
له قصيدة قصيرة من هذا النوع يقول فيها: «ذات مرة كان هناك قيصر بعينين صفراوين وفكّ مفترسة. كان يسكن في قصر حافل بالمرمر والبوليس وحيداً. كان يستيقظ في الليل ويصرخ. لا أحد كان يحبّه. كان أكثر ولعاً بالصيد والعنف. لكنه كان يتصور مع الأطفال وسط الزهور».
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"