عادي

الأوديسة.. صوت البحر المتوسط

عالم جديد يمتلئ بالخرافات
14:19 مساء
قراءة 3 دقائق
القاهرة: «الخليج»
يبدأ الأدب اليوناني بالإلياذة والأوديسة للشاعر هوميروس الذي كان له تأثير بالغ في التربية والتعليم عند اليونانيين جميعاً، والذي استمر أثره حتى العصر البيزنطي، فكان المثقفون يحفظون أجزاء كثيرة من الإلياذة والأوديسة، لقد كان الصوت الذي انبعث ليؤدي رسالة حضارة البحر المتوسط هو صوت الشاعر هوميروس، وتأخذ قصائده الصبغة القومية عن اليونان القدماء والمحدثين.
عندما نبدأ في قراءة الأوديسة يتبادر إلى ذهننا أن هذه الأشعار والقصائد لا تختلف كثيراً عن أشعار الإلياذة، من حيث الأسلوب والفن الشعري، وعلى الرغم من هذه الوحدة الفنية نلاحظ بعد مواصلة القراءة في الأوديسة، أننا إزاء عالم جديد، يختلف كل الاختلاف عن عالم الإلياذة، وذلك لأن موضوع الأوديسة يختلف تمام الاختلاف عن موضوع الإلياذة.
كانت فكرة الإلياذة الأساسية هي غضب البطل أخيل وخلافه مع كبير ملوك اليونان أجاممنون. أما الأوديسة فتدور فكرتها حول عودة البطل أوديسيوس من حرب طروادة، فهي تسرد مخاطراته التي قابلته أثناء رحلته في العودة إلى بلاده، فالأوديسة قصيدة طويلة أنشدت حول البحر.
وتختلف الأوديسة عن الإلياذة في العادات التي توصف فيها؛ ذلك أن الآراء قد تهذبت وأصبحت تتعلق بالبشر، بحيث لم نعد نرى أبطالاً يتصفون بالقوة والوحشية وحب إراقة الدماء، نرى هذه التغيرات في أفكار الناس عن الآلهة، فقد بدأوا ينظرون إليهم كحماة يدافعون عن القوانين السائدة في المجتمع، كما يدل على هذا الكثير من الفقرات المتعلقة بهذا الموضوع، كما أن الأوديسة مملوءة بالخرافات الشعبية، وهي تخص من يسكنون حول البحر المتوسط.
استشعر هوميروس بعد تجوّله لسنوات، وهو ينشد خلالها عن الصراع بين المدن الإغريقية وممالكها، التي انتهت بحادثة حصان طروادة، أنه لم يعط بطله أوديسيوس حقه؛ بل إن حيلته التي لم تعتمد على المواجهة وتحقيق الانتصار في الميدان نالت من قيمته، فاستكمل من حيث انتهت الحرب بأنشودة ملحمية خاض فيها أوديسيوس رحلة العودة إلى الديار التي واجه فيها الأهوال كفارس وبطل شجاع قوي ومحب، لهذا فإن كانت الملحمة الأولى سميت الإلياذة نسبة إلى مدينة طروادة، فإن الملحمة الثانية سميت الأوديسة نسبة إلى بطلها أوديسيوس.
طوفان من الوقائع في خضم من الأحداث الجارية، يقوم بها بطل من أمجد أبطال الإغريق، ومن أكثرهم براعة في الأعمال وجسارة في القتال، ومهارة في الخداع والاحتيال، هذا هو أوديسيوس أشهر أبطال الإغريق، وله في شبابه حكاية طريفة. فقد حدث أن التقى بخنزير بري أثناء الصيد الذي اشترك فيه ذات يوم عند زيارة جديه، فجرحه الخنزير في ركبته أثناء صراعه معه، فترك هذا أثراً في جسمه، واشتهر أيضاً بقوسه، وكان واحداً من خطاب الجميلة هيلينا، ومع ذلك ترك لها فرصة اختيار زوجها، واتفق معهم على أن يحموها في المستقبل وقت الحاجة.
تزوج أوديسيوس بينيلوبي ثم سافر للمشاركة في حرب طروادة، وانتظرته عشرين سنة استغرقت الحرب منها عشر سنين، وكان يتجول في العشر سنين الأخرى، والتف حول منزلها طالبو الزواج منها، وأفلحت في مراوغتهم ثلاث سنوات، بأن احتجت بأنها لابد أن تنسج كفناً، ثم تفصل في الأمر بعد أن يتم، لكنها كانت تفك بالليل ما نسجته بالنهار، وأخيراً وشى بها الخدام، وأطلعوا راغبي الزواج على حيلتها حتى عاد أوديسيوس في ثوب سائل، فتعرفت إليه.
كان أوديسيوس يرفض الذهاب إلى الحرب الطروادية فتظاهر بالجنون، وصار يحرث مع الحيوانات التي لا يمكن وضع النير فوق أعناقها، وأخذ يبذر الملح كأنه يبذر بذوراً، وتم اكتشاف حيلته فذهب إلى الحرب، وكانت تطن في أذنيه النبوءة القائلة إنه لن يرجع إلى بلده إلا بعد عشرين عاماً، ويكون وحيداً مجهول الشخصية، فاقداً كل سفنه ورفاقه.
كان أوديسيوس أشهر رجل في استخدام القوس، وإليه يرجع الفضل في سقوط طروادة؛ إذ هو الذي وضع خطة الحصان الخشبي، وقاد بنفسه جماعة المحاربين المختبئين بداخله، وأفلح في إعادة هيلينا دون أن يلحق بها ضررا.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"