عادي

«الغرفة الحمراء» لماتيس.. الأحمر مايسترو الألوان

أثر من الفن الياباني وقبس من الزخرفة الإسلامية
14:48 مساء
قراءة 4 دقائق
الشارقة: علاء الدين محمود
يترك بعض الرسامين العالميين بصمات وسمات وأسلوبية خاصة بحيث لا يمكن تجاوزهم لتظل أعمالهم خالدة في أذهان عشاق الرسم والفنون التشكيلية، ولعل الفنان الفرنسي هنري ماتيس «1869-1954»، أحد الرسامين الذين خلفوا أعمالًا لقيت صدى كبيراً، فهو من أبرز رواد المدرسة الوحشية، ومن أهم الفنانين التشكيليين في القرن العشرين، وله العديد من الأعمال التي لا تزال تجد صدى واهتماماً كبيرين، وهي تحف فنية تنتمي إلى أساليب الوحشية التي أكدت على اللون كوسيلة للتعبير عن التفاصيل، كما تتضمن أعماله لوحات تصويرية، ومنقوشات، ومنحوتات تعرض في العديد من متاحف العالم.
بدأت شهرة ماتيس تتضح بعد أن اشترك مع بعض زملائه في معرض في صالون الفنانين المستقلين في باريس في خريف عام 1905، والذين كانوا يؤمنون باتجاه التبسيط في الفن، والاعتماد على البديهة في الرسم، فقاموا بعرض أعمالهم التي تعبر عن تلك الرؤية في ذلك المعرض، حيث تم تأسيس الحركة الوحشية أما سبب تسمية هذه المدرسة، فذلك يعود للناقد لويس فوكسيل، الذي شاهد تمثالاً للنحات دوناتللو بين أعمال هذه الجماعة التي امتازت بألوانها الصارخة، فوصف ذلك التمثال بأنه وحش من الوحوش، وقد كانت الوحشية ثورة طغت على الأساليب القديمة، واعتبر ماتيس زعيماً لها.
لوحة «الغرفة الحمراء» من أشهر أعمال ماتيس، ويعتبرها مؤرخو الفنون من التحف النادرة، قام ماتيس برسمها عام 1908، ولقيت صدى كبيراً في أوساط محبي الفن والنقاد الذين أكدوا أنها أكثر لوحاته روعة وحيوية، وتعبر عن البهجة والسعادة والألق، وفي ذلك الوقت كانت الوحشية حركة جديدة، لكنها تمكنت من إثبات نفسها بشكل واضح في لوحات الرسامين، وعلى الرغم من غروب شمس الوحشية سريعاً إلا أن ماتيس ظل مهتماً بالتركيبات المشرقة والمثيرة للاهتمام، واستعمل تدرجات واسعة من الألوان المنتظمة، في رسوماته التي كانت تُعنى بالشكل العام، مهملة التفاصيل الدقيقة، وهذا ما يظهر بصورة كبيرة في اللوحة التي حملت أيضاً تأثراً بالأساليب اليابانية.

أسلوب

تنتمي اللوحة إلى طريقة وأسلوبية ماتيس وعوالمه الجمالية، وربما لا يمكن فهم تفاصيلها إلا عبر الاطلاع على أساليب المدرسة الوحشية، حيث اهتم مبدعوها بالضوء المتجانس والبناء المسطح، فكانت دون اللعب على التباين بين الظل والنور، فقد اعتمدوا على الشدة اللونية بطبقة واحدة من اللون، ثم اعتمدت هذه المدرسة أسلوب التبسيط في التشكيل، فكانت أشبه بالرسم البدائي إلى حد ما، واعتبروا أن ما يزيد من تفاصيل عند رسم الأشكال إنما هو ضار للعمل الفني، فقد صورت في أعمالهم صور الطبيعة إلى أشكال بسيطة، وفي هذا السياق قال ماتيس: «إن كل ما يهمني قبل كل شيء آخر، هو التعبير عن عالمي الخاص والإحساس الذي تولده الألوان في الشعور الذي توقظه والعلاقات التي تنشأ بين الأشياء»، وذلك ينطبق تماماً على لوحته «الغرفة الحمراء»، إذ تتكون اللوحة من الانسجام الكلي؛ دون أي تفاصيل زائدة عن اللزوم.

مناسبة

رسم ماتيس اللوحة في الاستوديو الخاص به في باريس بنوافذه المطلة على حديقة الدير، وأطلق الفنان على هذا العمل اسم «لوحة زخرفية»، وقام برسمها بطلب من سيرجي شتشوكين رجل الأعمال الروسي المتخصص في جمع التحف الفنية، خاصة الأعمال الفرنسية التي تنتمي للانطباعية ومرحلة ما بعد الانطباعية، وقد طلب من ماتيس لوحة لغرفة الطعام في قصر في موسكو، وقد أراد رجل الأعمال للوحة أن تكون باللون الأزرق، وبالفعل كان العمل في البداية يحمل اسم «التناغم باللون الأزرق»، لكن النتائج لم تعجب الفنان كثيراً فقام بعد ذلك بتحويل الدهانات على القماش إلى اللون الأحمر، وكان ذلك بمثابة مولد لتحفة فنية، والواقع أن ماتيس اختار اللون الأحمر للتعبير عن حالته الداخلية ونقلها إلى المشاهد، فكانت أن طغت الحمرة على مشهد اللوحة، فكل من مفرش المائدة والجدار ينتميان إلى نظام ألوان واحد، بل وحتى أنماط الأزهار الزرقاء الداكنة الشرقية، وعلى طريقة الوحشيين وما بعد الانطباعيين، فإن التكوين النهائي لا يعتمد على نقطة محورية مركزية، وتساعد حيوية وطاقة اللون الأحمر الساطع على تركيز العين على كل تفاصيل اللوحة.

وصف

تحمل اللوحة في مشهديتها الكثير من التفاصيل والكائنات والأشياء التي تنسجم مع بعضها، والتي تعكس تناغماً لونياً بديعاً، وتقف المرأة منحنية على الجانب الأيمن من اللوحة، وهنالك بعض الفاكهة والأشياء الأخرى على سطح اللوحة، ويلاحظ في العمل التفاعل بين الأشياء الثابتة، ولمزيد من العمق ومنح ألوانه الشديدة فرصة للتنفس، أضاف الفنان نافذة كبيرة في الزاوية اليسرى، ويتماشى منظور النافذة مع الطاولة، ومن أجل مزيد من التناغم الشعري، يتطابق شكل الأشجار في الخارج مع شكل شعر المرأة والخطوط الزرقاء «الأرابيسك»، ويلاحظ أن المساحات الخضراء خارج النافذة، بينما تمنح الزهور الصغيرة وفروع الأشجار البيضاء المزهرة الانسجام والهدوء إلى اللوحة، وعمل الفنان على تسطيح اللون الأحمر، وتمكن من خلق انطباع بالمساحة التي يمكن أن تتحرك فيها الشخصية الأنثوية التي تنحني فوق المزهرية، والتي يبدو فيها المنظر الحاد للكرسي طبيعياً، فيما تسمح النافذة التي نرى من خلالها حديقة خضراء بها نباتات مزهرة بالانتقال إلى أعماق اللوحة، فالفنان لم يرد أن يصنع تناغماً بين الكائنات داخل الغرفة فقط، بل والخارج كذلك عبر النافذة التي تطل على الحديقة.
ويرى عدد من النقاد أن الفنان تأثر في اللوحة كذلك ببعض وسائل وأدوات وأساليب الفن الإسلامي، حيث إن ماتيس أقام فترة بمدينة طنجة المغربية، أثرت فيه بشكل مباشر، واحتفظ في ذاكرته بأزقة ومقاه وفنادق، مما انعكس في توظيف عناصر زخرفية إسلامية في لوحاته مثل الزخرفة النباتية الإسلامية، وذلك يتضح بصورة كبيرة في هذه اللوحة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/wtf2kk45