سمكة عثمان وبيضة إدوارد

00:03 صباحا
قراءة 3 دقائق

أعود من وقت إلى آخر إلى قراءة الحوارات الكبرى التي يجريها صحفيون مهنيّون في مجال الثقافة والأدب والفنون مع شعراء وروائيين ومسرحيين وموسيقيين كبار في العالم.. لأمرين: أولاً، كيف أقف من وقت إلى آخر على حرفة الحوار، إن جاز الوصف، ليس الحوار الصحفي في حدّ ذاته فحسب؛ بل وأيضاً استعارة فن الحوار الصحفي في الحوار اليومي العادي مع كتّاب قد تلتقي بهم مصادفة في مقهى أو في مناسبة ثقافية عامّة. هذه قيمة ثقافية جميلة، فأي حوار يتطلب الإصغاء، والإصغاء ذكاء وفن، وما أكثر من في آذانهم اليوم طين وعجين.
 وثانياً، إن قراءة حوار صحفي ثقافي مهني كبير هو قراءة في سيرة حياة الكاتب من الألف إلى الياء كما يقولون، مثل ذلك الحوار الذي أجراه الصحفي بيلينيو أبوليو مندوزا مع الروائي النوبلي غابرييل غارسيا ماركيز، وصدر في كتاب بعنوان «رائحة الجوّافة» قبل نحو ثلاثة عقود من الآن وربما أكثر، وإلى الآن يُقرأ هذا «الكتاب- الحوار» بشغفين، أولاً: للوقوف على الحرفة الصحفية للحوار.. وثانياً: للوقوف على ما هو بسيط وهامشي في حياة ماركيز.
في الحوارات الصحفية الحرفية التي أجراها الروائي العراقي شاكر نوري مع 30 كاتباً فرانكفونياً بحكم إقامة نوري الثقافية والطويلة في فرنسا، والتقائه اليومي الحميم مع هؤلاء الكتّاب في بيوتهم أو في بيته أو في مقاهي باريس الحميمة أيضاً، أقول في هذه الحوارات التي جمعها نوري في كتاب جعل له عنواناً دالّاً هو «حدائق موليير» أذهب عادةً عند إعادة قراءاتها إلى ما هو إنساني، وبسيط وقد يبدو لبعض القرّاء عرضياً وليس ذا قيمة مثل علاقة الكاتب بالقطط مثلاً أو علاقته بالمطبخ أو شراء الكتب، ولا أذهب إلى ما هو أيديولوجي أو فكري من عيار ثقيل مثل رأي الكاتب في العولمة، والمنفى، والديمقراطية، وغيرها من مفاهيم ومصطلحات «أكبر من رأسي» كما قال ذات يوم أحد الكتّاب الفارّين إلى المقهى من التنظير، «التقعيد» و«التأصيل» وغيرها من كلمات فخمة.
قرأت في حوارات نوري أن أوروبا رغم عظمتها وتقدمها التقني لم تعش إلّا على أكتاف الآخرين، في سواحل السنغال يوجد نوع من الأسماك لا يعيش إلّا على دم غيره من الأسماك، وهو من أشهى أنواع السمك. هذا هو ما قاله الكاتب والمخرج السينمائي عثمان سمبين.
يروي الشاعر إدوارد مونيك لشاكر نوري أنه ذهب ذات مرة مع ابنه إلى عاصمة جزيرة موريس؛ حيث وُلِدَ مونيك، ويقول: إنه حدث أن نظر عبر نافذة القطار فقال لابنه: انظر يا ولدي إلى هذا المشهد فإنك لن تراه في أصقاع عديدة من العالم. كان المشهد الذي رآه إدوارد مونيك عبارة عن معبد هندي تقابله كاتدرائية سان لوي، وعلى اليمين يوجد معبد بروتستانتي، وفي عمق التلال هناك معبد صيني، ومن بعيد يتراءى مسجد إسلامي بمنارته الشاهقة.. يقول إدوارد مونيك: «هذا مشهد رائع أقول إنني طفل يمتلك حظاً كبيراً».. وربما من بين حظوظ هذا الكاتب الفرانكفوني أن أمّه كما يقول أجمل أم في العالم.. «حين كانت تتبقّى لديها بيضة واحدة، كانت تعطيها لي..».
نعم، من الممكن أن تصنع الكتابة الإنسانية العالمية من سمكة عثمان سمبين، وحتى بيضة إدوارد مونيك..
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"