عادي

الخطر النووي يتصاعد

23:40 مساء
قراءة 4 دقائق

كتب- بنيمين زرزور:
غابت روح التعاون والتنسيق الدولي، نتيجة سياسة «أمريكا أولاً» التي تبناها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وتنبهت دول العالم الفاعلة إلى أهمية امتلاك القوة، استعداداً لحقبة جديدة، قد تكون مفتوحة على المجهول. وهذا يبدو طبيعياً من منظور استراتيجي، وإن كانت مخاطره تهدد الأقوياء قبل الضعفاء، في حال عودة سباق التسلح النووي الذي تتبدى مؤشراته تباعاً.

كشفت تقارير حديثة، منها تقرير معهد استوكهولم، وتقرير حملة إزالة الأسلحة النووية «أيكان»، عن مفاجآت بحجم الزيادة في الإنفاق النووي خلال السنتين الماضيتين، والذي زاد بنسبة 9% عام 2021 حسب «أيكان»، ليصل الرقم الإجمالي الذي أنفقته الدول النووية إلى ما يقرب من 83 مليار دولار في نفس العام، في الوقت الذي يشغل الحصول على رغيف الخبز ثلاثة أرباع سكان العالم.

وتقوم فلسفة سباق التسلح بين الدول النووية على مبدأ الردع النووي الذي يفسر إحدى نظريات إدارة الصراع التي ترى أن القوة هي أفضل علاج للقوة. وهو ما يعني أن تفوّق دولة في القوة يضمن لها فرض إرادتها على الدول الأخرى، ولا يكبح جماحها إلا قوة أخرى مضادة ومتفوقة عليها، وهو ما تبنى عليه سياسة الردع أو ردع القوة.

لكن هناك من يعتقد أن نظرية الردع غير متسقة منطقياً. ففي مقال نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، عكس صناع سياسة الحرب الباردة المخضرمون، مثل هنري كيسنجر وجورج شولتز، موقفهم السابق من النظرية، وأكدوا أنها بعيدة عن جعل العالم مكاناً أكثر أماناً، حيث أصبحت الأسلحة النووية مصدراً شديداً للخطر، في ظل امتلاكها من قبل دول ليس لديها شروط الأمان النووي التقنية، ولا تأبه بالاتفاقيات الدولية.

تطوير الأسلحة النووية

وفي ظل التوترات التي يعيشها العالم حالياً، أكد معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام، أن الترسانة النووية العالمية سوف تنمو في السنوات المقبلة لأول مرة منذ الحرب الباردة.

ولفت المعهد إلى أن الحرب الروسية في أوكرانيا والدعم الغربي اللامحدود الذي تحصل عليه كييف، أديا إلى تصعيد التوترات بين الدول التسع المسلحة نووياً في العالم.

وعلى الرغم من انخفاض عدد الأسلحة النووية بشكل طفيف بين يناير/كانون الثاني 2021، ويناير 2022، يرى المعهد أنه ما لم تتخذ القوى النووية إجراء فورياً فقد تبدأ المخزونات العالمية النووية في الازدياد قريباً. وجاء في التقرير: «تعمل جميع الدول المسلحة نووياً على زيادة أو تطوير ترساناتها ومعظمها يزيد من حدة لهجته النووية والدور الذي تلعبه الأسلحة النووية في استراتيجياتها العسكرية، وهذا الاتجاه مقلق للغاية».

وتملك روسيا أكبر ترسانة نووية في العالم بإجمالي 5977 رأساً نووياً، أي ما يزيد بنحو 550 رأساً عما لدى الولايات المتحدة. ويمتلك البلدان أكثر من 90 بالمئة من الرؤوس الحربية في العالم.

وقد تراجع العدد الكلي للرؤوس الحربية النووية لدى القوى النووية التسع (بريطانيا والصين وفرنسا والهند وإسرائيل وكوريا الشمالية وباكستان والولايات المتحدة وروسيا )، إلى 12705 رؤوس في يناير/كانون الثاني 2022، هبوطاً من 13080 رأسا في نفس الشهر من عام 2021. وتم نشر ما يقدر بنحو 3732 رأساً حربياً، والاحتفاظ بوضع نحو ألفي رأس، كلها تقريباً مملوكة لروسيا أو الولايات المتحدة، في حالة تأهب قصوى.

وقال رئيس مجلس إدارة معهد ستوكهولم ستيفان لوفين: إن «العلاقات بين القوى العظمى في العالم تدهورت أكثر، في وقت تواجه فيه البشرية والكوكب مجموعة من التحديات المشتركة العميقة والملحّة التي لا يمكن التصدي لها إلا من خلال التعاون الدولي».

وتغري التوترات التي تجتاح العالم دولاً جديدة بدخول النادي النووي. وفي ظل فشل سياسات التوافق والتعايش السلمي وإمعان الولايات المتحدة في سياسات الهيمنة وافتعال المشاكل مع كل من الصين وروسيا، وتتزايد احتمالات تبني استراتيجيات الردع النووي من قبل دول الصف الثاني خاصة في القارة الأوروبية التي وجدت نفسها فجأة تحت تهديد أمني متزايد.

وقد يكون المسار الروسي الذي تمثل في استعادة موسكو حضورها القوي على المسرح العالمي، بعد عشرين سنة من الهدوء، وتهديدها باستخدام السلاح النووي في مواجهة الغرب، عزز محفزات تبني مثل هذه الخيارات التي يفرضها الواقع الجديد. فقد هدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستخدام السلاح النووي في حالة تعرض بلاده لتهديد حقيقي، وحرك غواصات تحمل رؤوساً نووية باتجاه المياه الأوروبية.

ومما يزيد من خطورة المشهد، التطور التكنولوجي الخاص بصناعة الصواريخ الفرط صوتية القادرة على حمل رؤوس نووية، الأمر الذي يحمل في طياته دماراً شاملاً وسريعاً قد لا تنفع معه استراتيجيات الردع التقليدية.

سور نووي صيني

وكانت الأقمار الاصطناعية الأمريكية قد كشفت العام الماضي عن أن الصين تنشئ سوراً نووياً هائلاً تحت الأرض يتكون من 10 آلاف صومعة، وهذا يؤكد الاتجاه السائد في تفاقم السباق النووي، خاصة وأن مسألة الندية بين بكين وواشنطن باتت حديث الساعة في البلدين. وفي الوقت الذي تسعى دول من خارج الخارطة النووية لدخول النادي، خاصة في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، تصبح احتمالات الانفجار النووي أرجح في حال تعرضت أنظمة التحكم السيبرانية لاختراق من نوع ما، إما لضعف البنية الهيكلية لأنظمة الصواريخ، وإما لتراخٍ أو ترهل في نظام إدارتها.

وفي ظل غياب التنسيق بين الدول الكبرى، وتوترات الوضع في مضيق تايوان، ودور كوريا الشمالية في تحدي إرادة المجتمع الدولي، وتعثر مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني، فضلاً عن تخلي بعض الدول المسلحة نووياً عن الاتفاقيات والمعاهدات الخاصة بالتخلص من الترسانات الحالية، يصبح العالم تحت تهديد دائم بتزايد التسليح النووي، وبالتالي فقدان آليات الردع المعتمدة حتى الآن.

وأضافت تبعات الحرب في أوكرانيا بعداً آخر للسباق النووي، تمثل في تهديدات الطاقة التي سوف تضطر العديد من الدول، لا سيما في شمال أوروبا وشرقها، للتركيز على تطوير برامج نووية سلمية أو غير سلمية، من أجل تحقيق توازن القوة في مواجهة روسيا، وثانياً من أجل تعويض النقص في مصادر الطاقة، وإيجاد بدائل عن الغاز الروسي، خاصة وأن قضية الطاقة لا تنفصل عن مفهوم القوة المعاصر.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/2p9cbjva