الأفكار ليست على قارعة الطريق

00:09 صباحا
قراءة دقيقتين

تؤكد مواقع التواصل الاجتماعي أن الأفكار ليست ملقاة على قارعة الطريق، فمتابع تلك المواقع يدرك جيداً حالة لا نهاية لها من استنساخ الأفكار، حيث لا تلبث أن تجد فكرة تظن أنها جديدة حتى تعثر عليها موجودة هنا وهناك.. يكررها هذا وذاك من دون أي إضافة أو محاولة تقديم لمسة خاصة، وهنا أزمة مواقع التواصل الكبرى المتمثلة في أنها تدفعنا إلى التقليد، وربما التقليد الأعمى من دون إعمال العقل في ما نتعرض له، ومن دون رغبة حتى في تطوير ما ننوي تكراره، وكثيراً ما يحتار متابع هذه المواقع في معرفة من صاحب الفكرة الأصلية؛ إذ إنها أصبحت مشاعة من دون حقوق ملكية أو مؤلف معروف.
لم يعرف الفكر حالة من الثبات مثل تلك التي نعيشها الآن، ومن الظلم البيّن إلقاء اللوم على التكنولوجيا فائقة الحداثة وتوابعها، فهناك عوامل داخلية: تاريخية وسياسية وفكرية أوصلت الفكر النظري النخبوي إلى أزمة طاحنة وطريق مسدود، الأمر الذي انعكس سلباً على الأفكار البسيطة التي كان يبتكرها الناس، ويبدو أن هناك حالة عامة من الكسل الفكري والراحة التي يمنحها لنا التقليد بوصفنا ننتمي إلى كتلة بشرية ضخمة تردد الأفكار نفسها. إنها حالة أسهمت في تكريسها ثقافة العولمة، فتنميط الزي والطعام والمواد المرئية، وثقافة الاستهلاك وتحويل الخبر والصورة إلى مواد يشاهدها العالم بأكمله في اللحظة نفسها، كل هذا جعل معظم البشر على استعداد للانخراط في هذا الواقع الذي لا يعترف بالفرادة أو الشخصية المستقلة.
في الماضي عندما كان أحدهم يبتكر فكرة جديدة، كان يعمل آخر على تطويرها، ليأتي شخص ثالث ويحاول التوسط بينهما، ويقوم رابع بمعارضة كل هذا المسار انطلاقاً من روح الفكرة الأولى.. وهكذا، حتى تنشأ فكرة تبدو جديدة تماماً، ولكنها في الحقيقة تختزن هذا المسار المتدرّج للفكرة الواحدة.
تلك العملية أطلق عليها البعض «الجدل الخلّاق»، وكانت تحدث دوماً في الفكر النظري وحتى بين البشر في حياتهم اليومية. الآن ادخل إلى أي موقع على الشبكة، أو موقع تواصل اجتماعي، ماذا ستجد؟ تتكرر الفكرة على الشبكة حتى لو تضمنت معلومات خاطئة، ولا تلبث أن تجدها كما هي في عشرات المواقع، ويعاد تدويرها لفترة طويلة قبل أن يكتشف أحدهم ذلك الخطأ. الحال نفسه في الصور والفيديوهات والحوارات التي تملأ مواقع التواصل، الكل يستنسخ الكل حتى لو كانت مواده المرئية لا تتفق مع الذوق العام، أو تتناقض مع أبسط قواعد المنطق.
الواقع الافتراضي أو التكنولوجي في الحقيقة، وعلى العكس من تأمله للوهلة الأولى، لم يحقق إضافة بشرية تتمثل في الكشف عن الأفكار الجديدة التي كنا نعتقد أن أصحابها يعجزون عن التعبير عنها لافتقادهم إلى وسائل تصل بهم إلى الآخرين؛ بل أكد أن روح القطيع هي التي كانت كامنة وتنتظر الأداة المناسبة لكي تعم وتنتشر وتؤثر سلباً في الابتكار والإبداع.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/2h9xuhdz