ضرورات أباحت محظورات

00:10 صباحا
قراءة 3 دقائق

حديث روبرت هابيك، وزير الاقتصاد والمناخ الألماني، عن عودة بلاده إلى استخدام الفحم في الحصول على الطاقة، ليس سوى رأس ظاهر في جبل جليدي غاطس. 
 وهو كذلك لأن ألمانيا كانت في السنوات القليلة الماضية قد قررت التوقف عن استخدام الفحم، ووضعت جدولاً زمنياً لقرارها ينتهي في 2030، فإذا بالحرب الروسية على أوكرانيا تجعلها تعيد التفكير في الموضوع، وتدفعها إلى العودة عن القرار. 
  والسبب أن موسكو التي تمد الألمان بالقسط الأكبر من الغاز الذي يستخدمونه، قد قررت خفض كميات الغاز الواصل إلى ألمانيا .. ولو شاءت روسيا لكانت قد أوقفت عملية الضخ كلياً كما فعلت مع دول أوروبية أخرى بالفعل، ومنها بولندا على سبيل المثال. 
  وهذه قصة طويلة نتابع حلقاتها بين الروس وبين الأوروبيين، منذ أن انطلقت الحرب الروسية على أوكرانيا في الرابع والعشرين من فبراير/شباط.  
  فالأوربيون لا يجدون بديلاً أمامهم سوى مد الأوكرانيين بكل ما هو ممكن من السلاح في مواجهة روسيا، التي لا تجد بديلاً أمامها هي الأخرى سوى معاقبة الأوروبيين، وكانت ألمانيا من بين الدول الأوربية التي طالها العقاب الروسي، لولا أنه كان عقاباً مخففاً على نحو ما. وقد وجدت ألمانيا نفسها أنها مضطرة للتصرف وفق منطق الضرورات التي تبيح المحظورات، وكان المحظور في حالتها هو الفحم الذي قاتلت جماعات البيئة وأحزاب الخُضر فيها طويلاً لوقف استخدامه بكل طريقة. 
  ولا نعرف ماذا ستفعل هذه الجماعات وتلك الأحزاب إزاء هذه الخطوة التي تتخذها الحكومة الألمانية مُجبرة، لكن ما نعرفه أنها خطوة تشير إلى أن تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا لا تتوقف عند حدود الغذاء وحده، ولا عند حدود الطاقة وحدها، لكنها تمتد كما نرى مما أعلنه الوزير الألماني قبل أيام، لتصيب قضية المناخ في مقتل. 
  فليس سراً أن التوقف عن استخدام الفحم دولياً، كان ولا يزال خطوة أساسية في طريق خفض حدة ظاهرة الاحتباس الحراري، التي أدت إلى تغيرات في المناخ صارت محسوسة في كل بلد، وباتت وكأنها فيروس كورونا الذي لما حضر لم يفرق بين عاصمة هنا وعاصمة هناك، ولا بين دولة غنية في الشمال، وأخرى فقيرة في الجنوب. 
 والمفارقة أن العالم الذي يتهيأ للذهاب إلى قمة المناخ في شرم الشيخ خلال نوفمبر/تشرين الثاني القادم، هو نفسه العالم الذي تجد دولة كبيرة فيه مثل ألمانيا، أنها مرغمة على الرجوع لاستخدام الفحم بكل ما يسببه من تلويث للبيئة، وبكل ما يتسبب فيه من زيادة في حجم ظاهرة الاحتباس. 
  ولأن مصر هي الدولة التي ستستقبل ضيوف قمة المناخ على أرضها، فهي لا تترك مناسبة إلا وتعود لتؤكد من جديد على أن قضية المناخ في أشد الحاجة إلى أفعال قبل الأقوال. 
  ومن الأفعال ما هو شخصي على مستوى كل واحد فينا، كأن يكون كل شخص بيننا على وعي بضرورة قضية البيئة، وبضرورة أن ينشر هذا الوعي فيما حوله. ومن الأفعال ما هو رسمي كأن تدرك شتى العواصم خطورة استمرار ظاهرة الاحتباس، فتقدم من الخطوات العملية ما يخفف من هذه الخطورة، وتعمل على ألاّ يعود العالم للفحم، وتساعد الألمان على إيجاد بديل. 
   ونحن نقرأ في الأحاديث النبوية ما معناه، أنه إذا قامت القيامة على أحدنا وفي يده فسيلة .. أي شجرة صغيرة .. فإنه إذا استطاع ألاّ يقوم من مكانه حتى يزرعها فليفعل .. ولا بد أن هذه أقوى الدعوات إلى أن يكون لكل منا نصيبه في العمل من أجل البيئة الصحية بين الناس. 

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"