كولومبيا.. إلى اليسار دُر

00:03 صباحا
قراءة دقيقتين

ابتهج العديد من الكتاب وكذلك القادة والزعماء في القارتين الأمريكيتين وفي أوروبا، بفوز السيناتور غوستافو بيترو، بانتخابات الرئاسة في كولومبيا، معتبرين هذا الفوز حدثاً تاريخياً؛ كونها السابقة الأولى في التاريخ الكولومبي التي يتولى فيها زعيم من قادة التيار اليساري السلطة في هذا البلد، بعد عقود طويلة من تناوب قادة اليمين الليبرالي على مقعد الرئاسة.
ومما لا شك فيه أن انضمام كولومبيا إلى معسكر اليسار اللاتيني يحقق تحولاً مهماً لا رجعة فيه. ولا يقتصر ذلك على الواقع السياسي في كولومبيا فحسب؛ بل إن تأثيراته الراهنة والمستقبلية قد تشمل القارة اللاتينية برمتها. وهناك  كما هو معروف  طيف واسع من المدارس الاشتراكية على مستوى النظريات والتطبيق العملي. والمدرسة اليسارية الأعمق تجذّراً في القارة اللاتينية، هي مدرسة اليسار المتشدد، على غرار أنظمة الحكم في كوبا وفنزويلا ونيكارغوا.
غير أن السناتور غوستافو يطرح نوعاً مغايراً من الاشتراكية؛ نوعاً هو أقرب إلى الهجين ويمكن تسميته باليسار المعتدل أو اليسار الإصلاحي. وقد أطلق غوستافو على هذا النوع الهجين اسم «الاشتراكية الديمقراطية»، وهو يحتفظ بالقلب النابض للمبادئ الاشتراكية المتمثلة في النضال من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية، لكنه يمزج ذلك بعوامل أخرى من الفكر الرأسمالي الليبرالي.
وبعيد ترشحه لانتخابات عام 2018 التي حلّ فيها ثانياً، سلّط غوستافو الضوء على نهجه الفكري قائلاً: «كنت أنتمي إلى اليسار، ولست نادماً على ذلك، إلا أنني لن أطرح برنامجاً يسارياً ولا برنامجاً اشتراكياً. نعرف أن هذه البرامج فشلت، ولكن المشكلة في كولومبيا هي أن النظام الرأسمالي لم يتطوّر».
وبالتالي، فإن «ما أطرحه هو تطوير نظام رأسمالي ديمقراطي يساعد على بناء طبقة متوسطة واسعة تقوم على المبادرة الخاصة، وتكون الملكية الخاصة عمادها الأساسي». وشدد خلال حملته الأخيرة لانتخابات الرئاسة على أن «البلاد بحاجة إلى العدالة الاجتماعية لتكون قادرة على بناء السلام؛ أي فقر أقل، وجوع أقل، وعدم مساواة أقل، ومزيد من الحقوق».
لقد خاض غوستافو غمار مسيرة سياسية طويلة بدأت منذ انضمامه إلى جماعة «فارك» المسلحة وهو في السابعة عشرة من عمره، ثم غادرها لصالح العمل السياسي، زعيماً لكيان حزبي وليد ونائباً في البرلمان ورئيساً لبلدية بوغوتا. وامتلك خلال هذه الرحلة، الخبرات الضرورية في إدارة الشؤون العامة، وهو حاصل على الدكتوراه في الإدارة العامة، كما امتلك الرؤية الاستراتيجية الناضجة التي جعلته الشخصية الأكثر تأثيراً في المفاوضات التي أسفرت عن توقيع اتفاق السلام التاريخي الذي أنهى الحرب بين الحكومة والقوى الثورية المسلحة.
لقد حظي رئيس كولومبيا الجديد بترحيب واسع من قادة اليسار في أمريكا الجنوبية الذين اعتبروا أن معسكرهم تعزّز بالقادم الجديد، على الرغم من أن الرئيس الفنزويلي مادورو، وصفه في وقت سابق، بأنه ينتمي إلى اليسار الجبان، لكن غوستافو ليس يسارياً مزيّفاً، كما تكشف سيرته، فهو براغماتي إصلاحي يشق طريقاً جديداً للاشتراكية في القارة.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"