عادي

التضخم العظيم..هل يعيد التاريخ نفسه؟

من «بريتون وودز» إلى «منحنى فيليبس»
21:42 مساء
قراءة 8 دقائق
اتفاقية بريتون وودز التي ثبتت العاملات الاجنبية مقابل الدولار
دبي: أحمد البشير

كان التضخم الكبير أو «التضخم العظيم» هو الحدث الذي مسّ الاقتصاد الكلي وأسهم في تشكيل النصف الثاني من القرن العشرين. وعلى مدار الفترة التي استمر فيها التضخم والتي قاربت عقدين من الزمن، تم التخلي عن النظام النقدي العالمي الذي أنشئ خلال الحرب العالمية الثانية، وتعرض العالم لأربع حالات ركود اقتصادي، وحالتي نقص حادّتين في مصادر الطاقة، ووضع ضوابط للأجور والأسعار. ووفقاً لأحد الاقتصاديين البارزين، فقد كان ذلك أكبر فشل لسياسات الاقتصاد الكلي الأمريكي خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

إلا أن هذا الفشل أحدث أيضاً تغييراً تحويلياً في نظرية الاقتصاد الكلي، وأيضاً تغييراً في القواعد التي توجّه السياسات النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، والبنوك المركزية الأخرى حول العالم. وإذا كان التضخم الكبير هو نتيجة لفشل سياسات الاقتصاد الكلي الأمريكية، فيجب اعتبار طغيانه بمثابة انتصار.

في عام 1964، بلغ معدل التضخم ما يزيد بقليل على 1% في السنة، وكان المعدل عند هذا المستوى على مدى السنوات الست التي سبقت ذلك العام. ومن ثم بدأ التضخم في الارتفاع في منتصف ستينات القرن الماضي، ووصل إلى أكثر من 14% في عام 1980، وتراجع في نهاية المطاف ليصل إلى ما متوسطه 3.5% في النصف الأخير من ثمانينات القرن الماضي.

وبينما يناقش الاقتصاديون الأهمية النسبية التي حفّزت التضخم واستدامته لأكثر من عقد، إلا أنه لا يوجد نقاش كبير حول مصدره. وفي واقع الأمر، كانت أصول التضخم الكبير هي السياسات التي سمحت بالنمو المفرط للمعروض من النقود (أي سياسات المجلس الاحتياطي الفيدرالي).

الصورة
جرافيك

ويعود الجزء الأول من القصة؛ أي الدافع الكامن وراء التضخم الكبير، إلى الفترة التي أعقبت الكساد الكبير مباشرة، وهي فترة تحوليّة مماثلة لنظرية وسياسة الاقتصاد الكلي. وفي نهاية الحرب العالمية الثانية، حوّل الكونغرس الأمريكي انتباهه إلى السياسات التي كان يأمل أن تعزز الاستقرار الاقتصادي. وكان من أبرز القوانين التي ظهرت، قانون التوظيف لعام 1946. ويشير القانون إلى أنه من مسؤولية الحكومة الاتحادية، تعزيز الحد الأقصى من العمالة والإنتاج والقوة الشرائية، كما نص على قدر أكبر من التنسيق بين السياسات المالية والنقدية.

التفويض المزدوج

ويعد القانون الأساس للتفويض المزدوج الحالي للمجلس الاحتياطي الفيدرالي المتمثل في «الحفاظ على نمو طويل المدى للمجاميع النقدية والائتمانية، وتعزيز أهداف رفع الحد الأقصى للعمالة، وتعزيز استقرار الأسعار ومعدلات الفائدة طويلة الأجل المعتدلة».

وكانت السياسة التوجيهية في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية تستند إلى سياسة الاستقرار الكينزية، مدفوعة إلى حد كبير بالذاكرة المؤلمة للبطالة المرتفعة غير المسبوقة في الولايات المتحدة وحول العالم خلال ثلاثينات القرن الماضي.

وكانت النقطة المحورية لهذه السياسات هي إدارة إجمالي الإنفاق (الطلب) عن طريق الجمع بين سياسات الإنفاق والضرائب للسلطة المالية، والسياسات النقدية للبنك المركزي.

وتعد فكرة أن السياسة النقدية يمكن وينبغي استخدامها لإدارة الإنفاق الكلي وتحقيق الاستقرار في النشاط الاقتصادي، مبدأ مقبولاً بشكل عام، حيث لا يزال يوجه سياسات الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الأخرى حتى يومنا هذا.

وكانت هناك فكرة تقول إن «منحنى فيليبس» (هو منحنى يبين العلاقة بين البطالة ومعدل التضخم)، يمثل مفاضلة طويلة المدى بين البطالة التي كانت ضارة جداً بالرفاهية الاقتصادية، والتضخم الذي كان يُعتقد أحياناً أنه مصدر إزعاج أكبر للاقتصاد، حيث كانت فرضية جذابة لواضعي السياسات الذين كانوا يريدون اتباع القواعد التي كان يمليها قانون التوظيف.

منحنى فيليبس

لكن استقرار «منحنى فيليبس» كان افتراضاً مصيرياً، وهو افتراض حذر منه الاقتصاديان إدموند فيليبس، وميلتون فريدمان. وقال فيليبس إنه من المرجح أن تكون المقايضة بين معدلات البطالة المنخفضة وزيادة التضخم التي قد يرغب صانعو السياسة في تعزيزها، صفقة خاسرة، ستتطلب الحفاظ على معدل تضخم أعلى من أي وقت مضى.

ولم يكن من الممكن أن يُحدث السعي إلى تحقيق معدلات منحنى فيليبس خفضاً في مستويات البطالة في حال لم تكن سياسات الاحتياطي الفيدرالي راسخة بشكل جيد. وفي الستينات، كان الدولار الأمريكي مرتبطاً وإن كان بشكل ضعيف بالذهب من خلال اتفاقية «بريتون وودز»؛ لذا فإن قصة التضخم الكبير تتعلق جزئياً أيضاً بانهيار نظام «بريتون وودز» وفصل الدولار الأمريكي عن آخر ارتباط له بالذهب. وخلال الحرب العالمية الثانية، وافقت الدول الصناعية على نظام نقدي عالمي كانت تأمل من خلاله تحقيق استقرار اقتصادي أكبر، وسلاماً من خلال تعزيز التجارة العالمية. وتم التوصل إلى هذا النظام، الذي وضعته 44 دولة في بريتون وودز، نيو هامبشاير، في يوليو عام 1944، وتم وضع سعر صرف ثابت بين عملات العالم والدولار الأمريكي، وتم ربط الدولار بالذهب.

نظام «بريتون وودز»

إلا أن نظام بريتون وودز، كان يعاني عدداً من العيوب أثناء تنفيذه، وعلى رأسها محاولة الحفاظ على التكافؤ الثابت بين العملات العالمية التي لا تتوافق مع أهدافها الاقتصادية المحلية. كما اتضح أن العديد من الدول كانت تنتهج سياسات نقدية متوافقة مع منحنى فيليبس من أجل إنشاء علاقة أكثر ملاءمة بين البطالة والتضخم.

وكونه عملة احتياطية في العالم، واجه الدولار الأمريكي مشكلة إضافية، فمع نمو أحجام التجارة العالمية، زاد الطلب على احتياطيات الدولار الأمريكي. ولفترة من الوقت، كان الطلب على الدولار الأمريكي كبيراً جداً، حيث تراكم لدى البنوك المركزية الأجنبية، المزيد والمزيد من احتياطيات الدولار. وفي النهاية، تجاوز المعروض من احتياطيات الدولار المحتفظ بها في الخارج، مخزون الولايات المتحدة من الذهب، مما يعني أن الولايات المتحدة لا تستطيع الحفاظ على قابلية التحويل الكاملة بالسعر الحالي للذهب، وهي حقيقة لن تمر مرور الكرام من قبل الحكومات الأجنبية والمضاربين بالعملات.

الصورة
جرافيك

الدولار الذهبي

ومع ارتفاع التضخم خلال النصف الأخير من الستينات، تحوّل الدولار الأمريكي بشكل متزايد إلى ذهب، وفي صيف عام 1971، أوقف الرئيس ريتشارد نيكسون تبادل الدولار مقابل الذهب في البنوك المركزية الأجنبية. وعلى مدار العامين التاليين، كانت هناك محاولة لإنقاذ النظام النقدي العالمي من خلال اتفاقية «سميثسونيان» قصيرة الأمد، لكن الاتفاقية الجديدة لم تكن أفضل من اتفاقية «بريتون وودز» وسرعان ما انهارت، وبذلك انتهى النظام النقدي العالمي بعد الحرب.

ومع فك الارتباط الأخير بالذهب، أصبحت معظم عملات العالم، بما في ذلك الدولار الأمريكي، غير مقيدة.

وكانت أواخر الستينات وأوائل السبعينات فترة مضطربة بالنسبة للاقتصاد الأمريكي. وأدى تشريع «المجتمع العظيم» الذي أصدره الرئيس ليندون جونسون، إلى إطلاق برامج إنفاق كبيرة عبر مجموعة واسعة من المبادرات الاجتماعية في وقت كان فيه الوضع المالي للولايات المتحدة متوتراً بالفعل، بسبب حرب فيتنام. وأدت هذه الاختلالات المالية المتزايدة إلى تعقيد السياسة النقدية. ومن أجل تجنب إجراءات سياسية نقدية قد تتداخل مع خطط تمويل الخزانة، اتبع الاحتياطي الفيدرالي سياسات «متساوية»، فمن ناحية كان ذلك يعني أن البنك المركزي لن يجري تغييراً في سياساته، وسيبقي أسعار الفائدة ثابتة خلال الفترة بين الإعلان عن إصدار سندات الخزانة وبيعها في السوق.

السياسات المتكافئة

وفي ظل الظروف العادية، كانت إصدارات الخزانة قليلة، كما أن السياسات المتكافئة للاحتياطي الفيدرالي لم تتدخل بشكل كبير في تنفيذ السياسة النقدية. ولكن عندما أصبحت قضايا الديون أكثر انتشاراً، أدى التزام الاحتياطي الفيدرالي إلى مبدأ المساواة على نحو متزايد إلى تقييد سلوك السياسة النقدية.

وكانت القوة الأكثر تعكيراً لسياسات الاحتياطي الفيدرالي هي أزمات الطاقة المتكررة التي أدت إلى زيادة تكاليف النفط واستنزاف النمو في الولايات المتحدة. وكانت الأزمة الأولى هي حظر النفط العربي الذي بدأ في أكتوبر 1973، واستمر قرابة خمسة أشهر. وخلال تلك الفترة، تضاعفت أسعار النفط الخام أربع مرات حتى وصلت إلى أعلى مستوى لها، إلى أن أدت الثورة الإيرانية إلى أزمة طاقة ثانية في عام 1979، والتي تسببت في مضاعفة كلفة النفط ثلاث مرات عما كانت عليه.

وفي السبعينات، بدأ الاقتصاديون وصانعو السياسات في تصنيف الارتفاع في الأسعار الإجمالية على أنها أنواع تضخم مختلفة. وكان التضخم الناتج عن الطلب هو التأثير المباشر لسياسة الاقتصاد الكلي، والسياسة النقدية على وجه الخصوص. وقد نتج ذلك عن السياسات التي أدت إلى مستوى إنفاق يفوق ما يمكن أن ينتجه الاقتصاد دون دفعه إلى ما هو أبعد من قدرته الإنتاجية العادية، لكن يمكن أن يرتفع التضخم أيضاً بسبب اضطرابات في الإمداد، ولا سيما في أسواق الغذاء والطاقة.

ومن وجهة نظر البنك المركزي، كان التضخم الناجم عن ارتفاع أسعار النفط خارج سيطرة السياسة النقدية إلى حد كبير، إلا أن ارتفاع معدل البطالة الذي كان يحدث نتيجة لارتفاع أسعار النفط لم يكن كذلك.

دعم التوظيف

وبدافع رفع مستويات التوظيف، استوعب الاحتياطي الفيدرالي الاختلالات المالية الكبيرة والمتنامية واتجه إلى مواجهة الرياح المعاكسة الناتجة عن تكاليف الطاقة. وأدت هذه السياسات إلى تسريع التوسع في عرض النقود ورفع الأسعار الإجمالية دون الحد من البطالة.

ومما زاد الطين بلة، أن منحنى فيليبس الذي كان استقراره دليلًا مهماً على قرارات السياسة التي يتخذها مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بدأ في التحرك.

وكان فيليبس وفريدمان على حق، حيث أثبتت المفاضلة المستقرة بين التضخم والبطالة عدم استقرارها. ومع ارتفاع الأسعار، أصبحت أي مقايضة بين التضخم والبطالة أقل تفضيلاً حتى إنه ومع مرور الوقت، أصبح التضخم والبطالة مرتفعين بشكل غير مقبول.

وفي عام 1964، عندما بدأت هذه الحركة، كان التضخم 1% والبطالة 5%، وبعد عشر سنوات، أصبح التضخم يتجاوز 12% والبطالة أعلى من 7%. وبحلول صيف عام 1980، كان التضخم يقترب من 14.5%، والبطالة تجاوزت 7.5%.

«العدو الأول»

وكانت هناك محاولات قليلة سابقة للسيطرة على التضخم دون الآثار الجانبية المكلفة لارتفاع البطالة. وأدخلت إدارة نيكسون ضوابط على الأجور والأسعار على ثلاث مراحل بين عامي 1971 و1974. وأدت هذه الضوابط إلى إبطاء ارتفاع الأسعار مؤقتاً، بينما أدت إلى تفاقم النقص، خاصة في الغذاء والطاقة، فيما لم يكن أداء إدارة فورد أفضل في جهودها. وبعد إعلان التضخم «العدو الأول»، قدم الرئيس فورد في عام 1974 برنامج Whip Inflation Now (WIN)، والذي يتكون من إجراءات طوعية لتشجيع المزيد من الادخار، لكنه كان برنامجاً فاشلاً.

وفي عام 1979، أصبح بول فولكر، الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي. وعندما تولى منصبه في أغسطس، كان معدل التضخم السنوي يتجاوز 11%، وكان معدل البطالة أقل من 6%.

واعتبر التضخم تحدياً اقتصادياً وسياسياً في الولايات المتحدة خلال سبعينات القرن الماضي، وكان الفضل للسياسات النقدية التي وضعها فولكر في كبح جماح معدلات التضخم الكبيرة في البلاد. وخلال فترة زمنية قصيرة، انخفض التضخم الأمريكي من 14.8% في 1980 إلى أقل من 3% بحلول عام 1983.

ورفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي بقيادة فولكر سعر الفائدة على الأموال الاتحادية، التي بلغ متوسطها 11.2% في عام 1979، لتصل إلى 20% في يونيو 1981، في حين ارتفع سعر الفائدة الرئيسي إلى 21.5% في عام 1981.

ويُنظر إلى مكافحة التضخم الآن على أنها ضرورية لتحقيق التفويض المزدوج (استقرار الأسعار وخفض التضخم)، حتى لو تسبب مؤقتاً في تعطيل النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة.

ركود قصير

وعلى مدار عام 1980، ارتفعت أسعار الفائدة، وانخفضت لفترة وجيزة، ثم ارتفعت مرة أخرى. وانخفض نشاط الإقراض، وارتفعت البطالة، ودخل الاقتصاد فترة ركود قصيرة بين يناير ويوليو؛ إذ انخفض التضخم لكنه ظل مرتفعاً حتى مع تعافي الاقتصاد في النصف الثاني من عام 1980.

ودخل الاقتصاد في حالة ركود مرة أخرى في يوليو 1981، وثبت أن هذا كان أكثر شدة وطولاً؛ إذ استمر حتى نوفمبر 1982. وبلغت البطالة ذروتها عند 11% تقريباً، لكن التضخم استمر في الانخفاض. وبحلول نهاية الركود، عاد التضخم على أساس سنوي إلى أقل من 5%. وبمرور الوقت تراجعت البطالة ودخل الاقتصاد فترة من النمو والاستقرار المستدامين، وبذلك انتهت فترة التضخم الكبير.

وتدرك البنوك المركزية اليوم أن الالتزام باستقرار الأسعار أمر ضروري لسياسة نقدية جيدة، وقد تبنّى معظمها، بما في ذلك الاحتياطي الفيدرالي، أهدافاً رقمية محددة للتضخم. وبقدر ما تتمتع به من مصداقية، فإن أهداف التضخم الرقمية هذه أعادت ترسيخ دعائم السياسة النقدية. وبذلك تمكنت البنوك المركزية من تعزيز شفافية قرارات السياسة النقدية وخفض حالة عدم اليقين، وهو ما يُفهم الآن أيضاً على أنه سوابق ضرورية لتحقيق النمو طويل الأجل وتوفير الحد الأقصى من فرص العمل.

 

 

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"