عادي

القهار جلَّ جلاله

22:17 مساء
قراءة دقيقتين
رغيد
رغيد جطل

رغيد جطل
يظن الإنسان أن المصاعب التي تعترض طريقه هي جبال متجذرة لا يمكن تجاوزها، فترى بعضهم يظن أن المرض الذي يعانيه ليس له أي ترياق يداويه، ويظن الآخر أن شظف العيش الذي يكابده، سيلازمه إلى قبره. وهكذا هي حال الإنسان أمام ما يعترضه من مصاعب في هذه الحياة، متناسياً أن ربه قهار لكل المصاعب، قادر على تبديل حاله إلى أحسن حال.

القهار اسم من أسماء الله الحسنى، ورد في كتاب الله تعالى في أكثر من موضع منها «قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ» الرعد: 16، وورد اسم الله القهار بصيغة القهار «يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ» غافر: 16، وورد بصيغة القاهر «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ» الأنعام: 18. وقبل الخوض في الفرق بين المعنيين لابد من التعرف إلى معنى القهر، لغة وهو الغَلَبة أو إخضاع الشخص لأمر ما رغماً عنه، وهنا يكون معنى القاهر أن له الغلبة فوق عباده، ومهما كان العبد قوياً فإنه يخضعه لحكمه وأمره. قال ابن كثير: وهو القاهر فوق عباده؛ أي: هو الذي خضعت له الرقاب، وذلّت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوه وقدرته على الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه؛ وتحتَ قهره وحكمه. أما القهار فمعناه، كما قال القرطبي، هو الغالب لكل شيء، والذي يغلب في مراده كل مريد؛ لذلك فإن أول معنى من معاني القهار أن الله عز وجل قهر الممكن وجعله قائماً، جعله مستمراً، جعله موجوداً، واسم القاهر اقترن باسم الحكيم الخبير، واسم القهار اقترن باسم الله الواحد، فالله تعالى قهره ليس كقهر العباد؛ إذ إن صفة القهر في حق العباد مذمومة إذا كانت في حق الآخرين، أما قهره سبحانه فهو قهر حكمة وتدبير لما فيه خير العبد، فكثيراً ما يسعى العبد بكليته نحو أمر ما، وترى أن الله يضع له العقبات في طريقه، لأن في استمراره في ذاك الطريق هلاكه، فقهره سبحانه بحكمة خلافاً لقهر العبد لغيره.

القهار لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، والعبد متى أدرك تلك الحقيقة هان أمامه كل شيء، ومهما كان الأمر صعب المنال فبمجرد اللجوء إلى القهار يجعله يسيراً سهلاً، والقهار قهر عباده بالموت والفناء وهو وحده جلَّ في علاه الحي الذي لا يموت، والقهار قهر كل ما في كونه وجعله منقاداً لأمره فلا يجرؤ مخلوق على مخالفة أمره فيسير وفق ما قرره له سبحانه وتعالى «وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» يس:38-40.
[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"