قمة استثنائية لمجموعة السبع

00:06 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. ناصر زيدان

اجتماع رؤساء الدول الصناعية الكبرى السبع في منتجع بافاريا الألماني؛ شكل حدثاً استثنائياً في هذه اللحظة السياسية الدقيقة التي يمرُّ بها العالم. وانصرفت مناقشات القمة للرد على التحديات السياسية والاستراتيجية التي تواجه الدول الغربية، أكثر من الغوص في مصاعب الصناعة وقضايا التضخُّم والانكماش التي تواجه هذه الدول. 
 ومن نافل القول، إن اجتماع بافاريا في 26 يونيو/حزيران الحالي؛ كان تمهيداً صريحاً لقمة حلف الأطلسي في إسبانيا التي جاء بعدها مباشرة، وقد تأكد أن الهواجس الأمنية والسياسية والنفطية هي واحدة عند دول المجموعة السبع، وعند دول حلف الناتو الثلاثين وأصدقائهم.
 قمة بافاريا رصدت 600 مليار دولار، لتنفيذ مشاريع بنى تحتية لمواجهة خطة «طريق الحرير» الصينية التي أطلقت عام 2013، وفق برنامج واضح يستهدف تطويق الاندفاعة الاستثمارية الصينية حول العالم. وقد أكدت ذلك صراحة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون، عندما أشارت إلى مساهمة الاتحاد الأوروبي في هذا المشروع بما يناهز 300 مليار يورو، بعد أن كانت السياسة الأوروبية تتمايز مع السياسة الأمريكية في هذا السياق، وكانت تعتمد على تجنُّب المواجهة مع الصين، وتتعامل معها بدبلوماسية، قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا.
 أما الجانب المهم الثاني الذي أخذ الحيِّز الأكبر من مناقشات قمة بافاريا؛ فكان يتعلَّق بوضع خطط مُحكمة لمحاصرة روسيا وتدفيعها ثمناً باهظاً جراء حربها على أوكرانيا. والمستشار الألماني اولاف شولتس الذي استضاف القمة، قال في ختام الاجتماعات «إن الحكومة الروسية ستدفع كلفة باهظة بسبب حربها على أوكرانيا، وأكثر مما كانت تتوقع». لكن الإشكالية التي طرحها رئيس وزراء إيطاليا ماريو دراجي في الاجتماع، شككت بقدرة مجموعة السبع في الوصول إلى هذا الهدف، إذا ما بقيت أسعار النفط على وضعها الحالي المرتفع، في ظل عجز الدول الصناعية الكبرى عن تأمين بدائل عن الغاز الروسي، وعدم قدرتها على تخفيض الأسعار، لأن روسيا استفادت كثيراً من عائدات صادرتها النفطية، وقد تجاوزت المصاعب المالية التي تسببت بها العقوبات الغربية.
 والقضية الثالثة التي شغلت قادة السبع كانت موضوع الاختلال الغذائي الذي أصاب دولاً عديدة من العالم، بسبب تقلُّص الصادرات الأوكرانية والروسية من القمح والمواد الغذائية الأخرى. وقد أكد المجتمعون مسؤولية روسيا عن هذا الاختلال، بينما ترى الأخيرة أن سياسة العقوبات التي فرضتها الدول الغربية عليها؛ هي التي أدت إلى هذه النتيجة.
 قمة بافاريا تختلف عن سابقاتها من القمم التي عقدتها المجموعة في السنوات السابقة، وبعضها كانت تحضرها روسيا، وقد كانت المجموعة تُسمى (السبعة + واحد) في إشارة إلى الشراكة التي كانت قائمة بين روسيا وهؤلاء ما بين عام 1998 وعام 2014، قبل ضمّ روسيا لجزيرة القرم. ومع الصين كان هناك توجه من دول المجموعة للتعاون معها، رغم رفض المجموعة انضمامها، بسبب ما تعتبره فوارق جوهرية بين طبيعة الأنظمة في هذه الدول التي تتبنى الاقتصاد الحر، بينما لا تُطبق هذه المعايير في الصين.
 قمة بافاريا كرَّست الانقسام بين القوى الدولية الكبرى. ومقرراتها أكدت مواجهة سياسة الصين وروسيا، من ضمن خطة ستنفذ في السنوات القادمة، تحت شعار: «الشراكة من أجل البنية التحتية العالمية والاستثمار» والرئيس الأمريكي جو بايدن أعلن جهاراً أن هدف هذه الشراكة «مواجهة الانفلاش الصيني والتعنت الروسي»، وبذلك يكون قد أسدل الستارة أمام نوافذ التعاون مع القوتين الكبيرتين، وأطلق سباقاً تنموياً مكلفاً بوجه الصين، يُشبه السباق الفضائي الذي أطلقه سلفه رونالد ريغان في ثمانينات القرن الماضي بوجه الاتحاد السوفييتي، وكلف هذا الأخير أعباء مالية عجز عن تلبيتها.
 من الواضح أن الحرب في أوكرانيا شرَّعت لسباق سياسي وعسكري واقتصادي واسع. وعدّة المواجهة بين المعسكرين الشرقي والغربي، لم تعُد تقتصر على التنافس الصناعي والتجاري والمالي، بل إنها أخذت أبعاداً استراتيجية أوسع. ومخاطر اندلاع مواجهات عسكرية في بعض الأماكن الحساسة – لاسيما في جوار جيب كالينينغراد الروسي في وسط أوروبا وفي محيط تايوان في بحر الصين الجنوبي - فرضية قائمة، وقد يتفرع عنها اشتعال حرائق عالمية واسعة.

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدولي العام.. أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية.. له 10 مؤلفات وعشرات الأبحاث والمقالات والدراسات في الشؤون الدولية..

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"