عادي

قمة «الناتو».. إعادة إحياء «البعبع»

23:04 مساء
قراءة 4 دقائق

كتب: بنيمين زرزور
بعد أن تكررت دعوات عدم صلاحية حلف الناتو في السنوات الأخيرة، خاصة في ظل الانقسامات التي تسبب بها الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب، ربما يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قدم هدية لا تقدر بثمن لإعادة إحياء الحلف من خلال الحرب في أوكرانيا.

معلوم أن تمويل الحلف كان الباعث الأساسي على تصدعات الناتو، وسط إحجام العديد من الدول الأعضاء، خاصة ألمانيا، عن زيادة حجم إنفاقها بنسبة 2% من الناتج الإجمالي المحلي المقرة من قبل الحلف. إلا أن الحرب في أوكرانيا عكست سخاءً غير معهود، ليس لدى الدول الفاعلة فيه فحسب، بل حتى ألمانيا التي زادت مخصصات الدفاع مئة مليار يورو دفعة واحدة، في خطوة هي الأولى في تاريخ البلاد الحديث.

ومع تعميق خطوط الفصل بين الغرب وروسيا ومن يقف معها، نتيجة تطورات المعارك الأخيرة، والتي تنذر بدخول دول أوروبية ميدان المعارك مكرهة، مثل ليتوانيا بعد أزمة كالينينغراد، والتهديد المستمر باستخدام الأسلحة غير التقليدية، وجد الناتو نفسه أمام تحدٍ وجودي يهدد دولاً أعضاء فيه. من هنا اكتسبت قمة مدريد أبعادها الاستراتيجية الملزمة للرد على تحديات ملحة، في مقدمتها تعزيز التحالف الأمني ​​وإبراز وحدة الحلف وتنسيق تحركاته في الأيام المقبلة.

والتأمت القمة في أعقاب قمة دول السبع في ألمانيا التي أعلنت عن تخصيص 600 مليار دولار لدعم البنى التحتية في الدول النامية، في خطوة توحي بمدى أهمية كسب القلوب والعقول عالمياً، وكأن ميدان الحرب الحالية، سيشمل كافة دول عالم اليوم حتى الجائعة منها والمهددة بالكوارث.

قمة تاريخية

وتحاط القمة بهالة إعلامية استثنائية، تمليها طبيعة الظروف التي تعقد فيها. وقال ينس ستولتنبرغ الأمين العام للحلف في مقابلة مع صحيفة «الباييس» الإسبانية إن «قمة مدريد حاسمة بالنسبة لحلف الناتو وستكون قمة تاريخية لأسباب عديدة، منها أن اجتماع 30 من الحلفاء يعقد في خضم أكبر أزمة أمنية في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومنها أننا سنتخذ العديد من القرارات المهمة، خاصة ما يتعلق بأكبر تحول في دفاعنا الجماعي منذ نهاية الحرب الباردة».

ورغم أن الحلف قرر زيادة عديد قوة التدخل السريع سبعة أضعاف لتصل إلى 300 ألف جندي، فإن ما يصدر من تصريحات لا ينطبق في الغالب على واقع العمل في الحلف الذي تعتري العلاقات بين دوله الأعضاء مجموعة من التناقضات البنيوية، سواء لجهة هيمنة واشنطن على القرار الأوروبي، أو لجهة تعارض مصالح العديد من الدول الأعضاء مع لهجة التصعيد الحالية ضد روسيا والصين، وسط مشهد عالمي أبرز مكوناته التمحور القائم على رهانات تفرضها مصالح كل دولة وهي لا تكاد تحصى.

فمن جهة، يسارع الحلف إلى توسيع وتعزيز جناحه الشرقي من خلال ضخ الأسلحة للدول المجاورة لأوكرانيا، ومساعي ضم دول جديدة، كان أبرز خطواتها قبول طلب عضوية كل من فنلندا والسويد، وهو ما اعترضت عليه تركيا، وسط مخاوف من تعطيل انضمام الدولتين، لأن قرارات الحلف تتخذ بالإجماع.

وتوقعت روز جوتيمولر، نائبة الأمين العام السابقة لحلف الناتو، أن يستغرق انضمام البلدين إلى الحلف ما لا يقل عن عام إذا تخلت تركيا عن اعتراضاتها.

دعم أوكرانيا

من جانب آخر، دخلت الحرب الروسية في أوكرانيا شهرها الرابع، ومن المفترض أن يؤكد قادة الناتو دعمهم لأوكرانيا كأولوية قصوى، خاصة وأنها أولوية قصوى بالنسبة للرئيس الأمريكي جوبايدن الذي وضع دعم أوكرانيا في مقدمة أولويات أجندته.

وشارك الرئيس الأوكراني زيلينسكي في القمة عن بعد، حيث ألقى كلمة ركز فيها على ضرورة أن يظهر حلفاء الناتو عزمهم المستمر على دعم أوكرانيا وهي تدافع عن نفسها. إلا أن مستمعيه لم يكونوا بحاجة إلى مزيد من المواعظ والخطب الحماسية، فهم يدركون أكثر منه حساسية الموقف، ومع ذلك لا يستطيعون التخلص من شعورهم بالعجز.

الصين حاضرة

ولا شك أن الصين كانت حاضرة في القمة، حيث تبنّى القادة في قمة الناتو مفهوماً استراتيجياً جديداً يتناول التحديات التي تمثلها الصين لأول مرة بشكل صريح.

وقال جون كيربي المتحدث باسم البيت الأبيض للصحفيين يوم الخميس إن المفهوم الاستراتيجي بُني على شهور من المحادثات حول التهديد الذي تشكله الصين على الأمن الدولي.

ويعتبر الموقف الجديد انعكاساً لمخاوف مشتركة لدى الحلفاء في الناتو بشأن تأثير الممارسات الاقتصادية الصينية، وعلى رأسها «مبادرة الحزام والطريق» التي يعتبرها الغرب واجهة لاستراتيجية توسعية تهدف بكين من ورائها للهيمنة على دول العالم، ناهيك عن السلوك المريب في مضيق تايوان وفي أماكن أخرى حول العالم. وهنا تبرز أهمية مشاركة دول مثل أستراليا واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية في القمة لأول مرة هذا العام.

في حين أن روسيا هي التهديد الأكثر إلحاحاً للتحالف، فإن الصين تعتبر تهديداً متعدد الأوجه وطويل الأمد. وقد ناقش التحالف التهديدات الاقتصادية والسيبرانية الصينية وكذلك الأمن في المحيطين الهادئ والهندي. ويصر مسؤولو إدارة بايدن على أنهم يواصلون التركيز على الصين حتى أثناء معالجة الحرب في أوكرانيا.

وأكد كيربي أن البيت الأبيض قد حفز القادة في منطقة المحيطين الهادئ والهندي على المشاركة بشكل فعال في الجهود الخاصة بمحاصرة الصين في أوروبا وآسيا.

ومن المتوقع أن يفي أعضاء الناتو بالتزاماتهم بزيادة وضع القوة لتعزيز دفاع الحلفاء خلال حرب روسيا في أوكرانيا. وقال مسؤولون أمريكيون إن الخطط الجديدة ستساعد في تقوية الناتو وردع روسيا في اللحظة الحرجة. وأكدوا التزام الرئيس الدفاع عن كل شبر من أراضي أي دولة عضو في الناتو.

قد يبدو كل هذا الكلام مهماً وباعثاً على الطمأنينة في الوقت الراهن على الأقل، لكن التجارب التاريخية للحلف، خاصة في السنوات الأخيرة، لا تبعث على الكثير من التفاؤل بتحقيق نتائج على أرض الواقع.

وقد علق أحد الباحثين في معهد كارينجي على قمم الناتو بالقول: «سئمنا تكرار القمم والتقاط الصور التذكارية للزعماء وكأنهم فريق كرة قدم يحتفل بعد خسارة مباراة مهمة». لقد كان حلف الناتو «بعبعاً» في زمن الحرب الباردة، فهل يستعيد هيبته بعد قمة مدريد المفصلية؟

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"