عادي

قمة عربية وسط الأعاصير

23:02 مساء
قراءة 4 دقائق

د. محمد فراج أبو النور *
الزيارة التي قام بها أمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط إلى الجزائر مؤخراً، جاءت في إطار جهود مكثفة يجري بذلها للإعداد للقمة العربية الحادية والثلاثين المقرر انعقادها في العاصمة الجزائرية يومي (1-2 نوفمبر المقبل) والتي ترأسها الجزائر.

اهتمام البلد المضيف بالإعداد الجيد للقمة انعكس في الاجتماع المطول الذي عقده الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون مع أبو الغيط، والذي استغرق ساعتين ونصف الساعة، ونوقشت خلاله الأوضاع العربية والإقليمية والدولية، والموضوعات المطروحة على جدول أعمال القمة، والأمور ذات الصلة بالإعداد لها، والمألوف أن يناقش وزير خارجية البلد المعني تفاصيل الإعداد للقمة مع أمين عام الجامعة، وأن يقتصر لقاء رئيس الدولة على لقاء بروتوكولي وأهم قضايا جدول الأعمال.

لهذا حرص الرئيس تبون على مناقشة حتى التفاصيل بنفسه مع أبو الغيط يعكس مدى اهتمام القيادة الجزائرية بالإعداد الجيد للقمة.

قمة وسط الحروب

والحقيقة أن القمة العربية الحادية والثلاثين تتسم بأهمية وحساسية بالغتين تبرر هذا الاهتمام الكبير من جانب الرئيس الجزائري.

فالإعداد يجري في ظل ظروف دولية وإقليمية وعربية شديدة الأهمية والتوتر والتعقيد وذات خصوصية تاريخية. فعلى المستوى الدولي تجري مواجهة كبرى وشاملة مع روسيا وتساندها الصين من ناحية، والولايات المتحدة وحلف «الناتو» والاتحاد الأوروبي من ناحية أخرى.

وهي مواجهة يعاد من خلالها رسم خرائط النفوذ في العالم بأسره (والحرب في أوكرانيا هي تعبير مكثف عن هذه المواجهة، لكنها مجرد جانب منها).

وبديهي أن يكون لهذه المواجهة انعكاسات بالغة الأهمية، مباشرة وغير مباشرة على الشرق الأوسط وعلى عالمنا العربي، وعلى الصراعات الإقليمية التي ينخرط فيها عدد من الدول العربية وكذلك على الخلافات القائمة بين عدد من الدول العربية، وعلى المحاور العربية والتحالفات الإقليمية والدولية للدول العربية.

زيارة بايدن وأجندتها

وعلى سبيل المثال، فإن زيارة الرئيس الأمريكي بايدن المرتقبة للمنطقة (في منتصف يوليو) والقمة المقررة مع زعماء مجلس التعاون الخليجي ومصر والعراق والأردن من المتوقع أن تكون لها آثار مهمة على واقع المنطقة وعلى القمة العربية المرتقبة.

ولا شك أن البند الأساسي والأكثر إلحاحاً في أجندة الرئيس الأمريكي سيكون الضغط على الدول العربية النفطية لزيادة إنتاجها من النفط والغاز الطبيعي بصورة كبيرة وسريعة، بما يتيح لدول الاتحاد الأوروبي الاستغناء عن موارد الطاقة الروسية، لانتشال أوروبا من أزمة الطاقة التي تأخذ بخناقها، وبالطبع لإضعاف روسيا اقتصادياً، ومن ثم عسكرياً.

ونعتقد أن قدرة بايدن على تحقيق هذا الهدف ضعيفة جداً، أو أنه سيحقق نتائج رمزية في أفضل الأحوال، فقد أثبتت الدول النفطية العربية منذ بداية الحرب الأوكرانية وعياً واضحاً بمصالحها، ورفضت زيادة الإنتاج بما يمثل هذا من إهدار لعوائدها النفطية، ومن خطر لإغراق الأسواق بصورة تدفع هي ثمنه الفادح، وأعلنت التزامها بالحصص الإنتاجية وباتفاقيات «أوبك بلاس» كما أثبتت هذه الدول إدراكها للمتغيرات الجارية في العالم، وصعود أقطاب عالمية كالصين وروسيا، ودول كبرى كالهند بما لا يتيح لأمريكا إعلاء إرادتها كالسابق.

سوريا.. المشكلة الحقيقية

معروف أن القمة العربية كان مقرراً انعقادها في مارس/ آذار الماضي، وأن السبب الرئيسي في تأجيلها كانت الخلافات حول عودة سوريا إلى مقعدها في جامعة الدول العربية، الذي فقدته في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 بتجميد عضويتها، ومنح المعقد لمعارضة لم يعد لها أي وجود مؤثر منذ سنوات طويلة، علماً بأن دمشق ظلت محتفظة بعضويتها في الأمم المتحدة، مناط شرعية الدول في العالم كله.

ومعروف أيضاً أن الجزائر كانت معارضة بشدة لتجميد عضوية سوريا عام 2011، وأنها ظلت متمسكة بهذا الموقف، حتى آلت إليها رئاسة القمة العربية الحادية والثلاثين، وأعلن الرئيس تبون أن عودة سوريا إلى الجامعة، وحضور الرئيس الأسد للقمة أمران ضروريان.

مصر والإمارات العربية أيضاً قامتا بجهود مستمرة لإعادة سوريا إلى الحضن العربي، وقام الرئيس السوري بشار الأسد بزيارة إلى الإمارات في مارس/ آذار الماضي، ومن قبل قام سمو الشيخ عبد الله بن زايد بزيارة دمشق وزير الخارجية والتعاون الدولي بزيارة إلى دمشق في نوفمبر2021، وخفضت دول كالكويت والأردن معارضتهما لعودة سوريا.

ويرى المؤيدون لعودة سوريا، أن احتضان الدول الشقيقة لهذه الدولة العربية المحورية، ودعمها اقتصادياً وسياسياً من شأنها أن يخفف تدريجياً من اعتمادها على إيران ويعيد اندماجها مع شقيقاتها العربيات، ويساعدها في مواجهة الأطماع الأجنبية في أراضيها. لكن محاولة فرض هذه العودة يمكن أن يدفع بعض الدول العربية إلى مقاطعة القمة..

ومن الآن حتى نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل سيمارس الطرف الضاغط الضغوط المتبادلة في ظل أوضاع دولية وإقليمية عصبية وشديدة التعقيد، تفرض على العرب ضرورة استعادة لحمتهم، وتوحيد صفوفهم حتى لا تعصف بهم أعاصير المتغيرات الدولية والإقليمية الجارية.. ومن المهم في هذه المرحلة أن تتوصل القيادات العربية إلى موقف عربي موحد لمواجهة ما يتهدد العالم عموماً والمنطقة العربية خصوصاً من تحديات ومخاطر. ولا شك أن القمة العربية تشكل المكان الأفضل لتحقيق هذا الهدف.

* كاتب مصري

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"