عادي

«والد العروسة».. فيلم صيفي منعش

فوضى اجتماعية وصراع أجيال
23:15 مساء
قراءة 5 دقائق

مارلين سلوم

نبحث عن الفيلم الهادئ المنعش المريح في زمن تكبر فيه الجريمة على الشاشة، ويصبح العنف والتوتر والغضب والشتائم، الجرعة اليومية التي نتجرعها رغماً عنّا. نبحث عن الفيلم المبني على أحداث تبدو ساذجة أحياناً، لكنها أكثر واقعية وملامسة لمشاعرنا ووصولاً إلى قلوبنا من أحداث افتراضية أو خيالية صاخبة أو مقززة، لذا تجدك تميل بشكل تلقائي وسريع نحو الأفلام الرومانسية الكوميدية دون أن تدقق كثيراً في أسماء مؤلفيها ومخرجيها وأحياناً أبطالها، فما بالك حين تجد أمامك إعادة مختلفة وحديثة للفيلم الجميل «والد العروسة» ومن بطولة النجم المحبب آندي جارسيا؟ الفيلم الذي كان من المفترض أن ينطلق الأسبوع المنصرم في الصالات العالمية، أطلق عبر «إتش بي أو ماكس» وهو يستحق المشاهدة بلا أي قلق أو محاذير.

تختلف أسماء كتّاب السيناريو والمخرجين ومعهم طبيعي أن تختلف أسماء الأبطال، لكن ميزة «والد العروسة» أنه نجح في كل نسخة ظهر بها، وكأنه فيلم جديد تشاهده لأول مرة، وذلك بفضل براعة صنّاع كل عمل. النسخة الأولى كانت عام 1950 من بطولة إليزابيت تايلور وسبينسر تريسي وجوان بينيت ودون تايلور، إخراج فينسنت مينيللي، الثانية عام 1991 بطولة ستيف مارتن وداين كيتون وكيمبرلي ويليامز بايسلي إخراج تشارلز شيير، والثالثة المعروضة سيناريو مات لوبيز وإخراج جاري الأزرقي، بطولة آندي جارسيا ومجموعة من الممثلين المعروفين غالبيتهم العظمى من كوبا والمكسيك. كل الأفلام تستند إلى رواية واحدة كتبها إدوارد ستريتر وتحمل نفس الاسم «ذا فاذر أوف ذا برايد» صدرت عام 1949.

تعيش الروايات طويلاً وتفاجأ بأنها، في غالبيتها، تصلح بمضمونها الاجتماعي لكل الأوقات والأزمنة رغم تبدل العصور وتنوع المجتمعات وتطور الأفكار والتقنيات، وتصير مهمة كتاب السيناريو أسهل في تطويع هذه النوعية من الروايات، لتحويلها إلى فيلم يناسب زمن صناعة الفيلم وجمهوره.

تفاصيل

«والد العروسة» الذي يعتبر أول فيلم تنتجه وتقدمه شركة «ورنر بروس» تحت اسم «ورنر ديسكوفري» المتفرعة منها، وتعرضه عبر «إتش بي أو ماكس»، يستمد جماله من أماكن التصوير في ميامي وخضرة الطبيعة والبحر والأجواء الصيفية، كذلك من الخليط الرائع، سواء في الحوار أو في الممثلين واللكنات واللهجات.. أمريكي- كوبي- مكسيكي- إسباني.. الديكور والأزياء وحتى الموائد والطعام والتقاليد والأغاني والرقصات.. كلها تفاصيل تنعش الفيلم وتبعث الارتياح في نفس المشاهد.

بما أن عنوان الفيلم «والد العروسة» فمن الطبيعي أن يكون هو بطله الأول، ويذهب بنا الخيال فوراً إلى الأعباء التي تلقى على عاتقه مادياً ومعنوياً ومهنياً أثناء الاستعداد لإتمام زفاف ابنته، وأن الأحداث كلها ستصب في هذا الاتجاه وكيف سيتعامل مع المواقف بشكل كوميدي، لكن قصة إدوارد ستريتر تركز على مجموعة نقاط اجتماعية عائلية نفسية تسبق كل تلك النقاط في الأهمية، وتكون هي محور القصة الأساسية: الذكريات، الانشغال في اللهاث خلف تأسيس الذات وبناء أسرة ومنزل والمستقبل والعيش بمستوى راق للارتقاء بالأبناء تعليمياً واجتماعياً إلى أفضل مستوى ممكن، فتسقط من الإنسان تفاصيل مهمة في حياته تؤدي إلى انهيار علاقات جميلة دون أن ينتبه، فيجد المرء نفسه أمام خسارة أكبر قد لا يعرف تعويضها.

ينطلق الفيلم من المهندس المعماري الناجح والذائع صيته في ميامي بيلي هيريرا، الذي بنى نفسه بنفسه، هاجر من كوبا إلى ميامي وانطلق من الصفر كي يكوّن مستقبله، تفوق في الدراسة وعمل ليل نهار ثم أسس شركة «هريرا للبناء»، تزوج من إنجريد (جلوريا استيفان) الفتاة التي أحبها، لكنهما يعانيان من سوء تفاهم مستمر وخلافات لا تنتهي، وفشلت كل محاولاتهما في اللجوء إلى المعالج الاجتماعي، فقررا الطلاق لذا عليهما إخبار ابنتيهما الكبرى صوفي (أدريا أرجونا) والصغرى كورا (إزابيلا ميرسيد). صوفي محامية ناجحة بدأت عملها حديثاً في نيويورك وها هي تعود إلى المنزل بعد فترة غياب والكل بانتظارها والاستعدادات جارية في البيت لتحضير أشهى المأكولات الكوبية التقليدية، مع استمرار الأب في محاولة إقناع زوجته بتأجيل إعلان قرارهما الانفصال حتى لا يشكلا صدمة لابنتيهما، خصوصاً أنهما يبدوان أمامهما كنموذج مثالي للزوجين العاشقين المتفاهمين ولا خلافات كبيرة بينهما قد تؤدي إلى مثل هذا القرار الصادم. الصدمة تأتي من الاتجاه المعاكس، حيث تصل صوفي سعيدة تحمل خبراً غير متوقع، خطبت زميل لها في العمل آدين كاستيليو (دييجو بونيتا) وقررا الزواج بعد شهر ليسافرا معاً إلى بلده المكسيك حيث سينشئان مؤسسة خيرية لمساعدة المهاجرين.

صاعقة

الخبر الذي من المفترض أن يكون سعيداً، ينزل كالصاعقة على بيلي فيجد ألف مبرر للاعتراض، خصوصاً أن ابنته وضعته أمام الأمر الواقع مع وصول العريس للعشاء معهم في المنزل. يستقبله بيلي وإنجريد والجدة (والدة إنجريد) تشي تشي (مارتا فيلاسكو) وكورا، وأمام لطف الشاب وحسن أخلاقه يبدأ الأب بالاعتراض على أتفه الأمور ولا يسمح للعريسين بإخباره عن باقي التفاصيل وعن أسرة آدين..

آندي جارسيا يقدم الدور ببراعة شديدة فيقسو حيناً ويلين حيناً، ويتخبط بمشاعره بين حزنه على انهيار زواجه وابتعاد ابنته عنه للعيش في المكسيك مع رجل «غريب»، فتعود به الذكريات إلى أيام طفولتها ويحاول التأقلم مع الفكرة وتلبية رغبة حبيبته صوفي مصراً على تحمل كل تكاليف الزفاف، باعتباره والد العروس، كما تنص التقاليد. وهنا تظهر نقاط خلاف أخرى، بين أفكاره وأفكار ابنته وخطيبها، ثم بين أفكاره وأفكار والد العريس هيرنان كاستيليو (بيدرو داميان) الذي يتبين أنه فاحش الثراء ويريد أن يقيم فرحاً كبيراً لابنه ويوسع دائرة معازيمه.

صراع يزيد العمل ظرفاً ويزيد من أزمات الأب النفسية حتى يصل إلى مرحلة رؤية الحقيقة كما هي والاعتراف بأنه عاش هذا العمر «عنيداً»، ويعترف لأول مرة بأنه صمم المنزل وبناه كما بنى الكثير من البيوت والفنادق، لكن زوجته هي التي بنت الأسرة ومنحت البيت روحاً حلوة. الرواية الساخرة تبرز الفوضى الاجتماعية والصراع بين الأجيال من جهة وبين الثقافات والتمسك بالتقاليد من جهة أخرى، والصراع الأهم هو صراع البطل بين دوريه الزوج الذي يكاد يخسر زوجته فتنهار الأسرة، والأب الذي يشعر بأنه «يخسر» ابنته وبالتالي تتفكك أسرته، خصوصاً أنها ستبتعد لتستقر في المكسيك، كما يعيش صراعاً بين تمسكه بالماضي والتقاليد ورغبته في إتمام حفل الزفاف وفق رؤيته، وضرورة تأقلمه مع الواقع وتقبل الأفكار الجديدة ورغبات ابنتيه مثل اقتناعه بموهبة ابنته كورا في تصميم الأزياء.

الزوجة الجميلة

شريكة آندي جارسيا في الفيلم القريبة منه سناً في الواقع كما في العمل، وابنة موطنه كوبا، جلوريا استيفان جميلة بدور الزوجة التي لم تعد تجد نفسها كشريكة لزوجها في الحياة، والأقرب إلى ابنتيها منه بسبب تفتحها على تطور الزمن ومتطلبات العصر. أدريا أرجونا أيضاً مميزة بدور صوفي، كذلك تمكن كل ممثل من أداء دوره بنكهة مختلفة جعلت الفيلم بنكهات متنوعة وألوان مبهجة وتشكيلة ثقافية اجتماعية مميزة.

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"