جديد قديم التربية

00:04 صباحا
قراءة دقيقتين

هل النظريات مثل الموضات، تظهر، تسود، وتتوارى زمناً، ثم تعود؟ لكن ذلك في النظريات التربوية جدّ عجيب. المتصوّر عادة أن الأفكار التربوية الرائدة، في مستوى المبادئ والفلسفات التربوية، تشبه في مسار نموّها وتطوّرها سهم الزمن، الذي لا يعود إلى الوراء، حتى وإن كان الكثيرون يعتقدون أن التاريخ يعيد نفسه، غير أن الشواهد اليقينيّة، تثبت أن سهم الزمن يتحوّل أحياناً إلى لعبة «بومرانج»، الذي يُرمى فينطلق إلى حين ثم يرتدّ راجعاً إلى راميه.
منذ سنوات صارت الأوساط التربوية تلهج بعبارة «التربية الخلاّقة»، التي تثير في الذهن تلقائياً العبارة الكونداليزية اللعينة «الفوضى الخلاّقة». أهمّ محور تدور عليه هذه المنظومة النظريّة، هو: توليد الأفكار، إنتاجها، عبر الحوار، الارتجال، وتنمية التفكير الخلاّق. لا شك في أن لهذه الكلمات أصداء خاصة في الذهن، وقعاً يمتد مداه من حلقات المحاورات السقراطية، إلى المكانة التي احتلها الارتجال في ميراثنا الثقافي منذ الجاهلية وفي بلاطات الخلفاء والملوك والأمراء، ومبارزات الشعراء، ومناظرات الأدباء، إلى منتديات العصف الفكري الحديثة.
طريف أن كل الأفكار السلبية التي راكمناها عن الارتجال، في السياسة، في الأدب، في الموسيقى، من التقاسيم والمواويل إلى الجاز الذي استطاع أن يغزو القارات كلها، بل وأن يكون المهد الذي ولدت فيه ألوان الروك والبوب والراب، كل ذلك النقد الهجائي للارتجال انكسرت شوكته، فقد عاد الارتجال إلى المسرح، ليحيي تلك النشوة التي كان يشعر بها الشاعر حين يقال عنه: «فارتجل قائلاً». كان الارتجال محاطاً بمهابة خاصة لأنه صنو للإلهام بلا تصميم وتخطيط، هو ثبوت الإبداع المتدفق بلا صنعة، والموهبة على السليقة، الوحي من غير مسوّدات.
عندما نقرن مشهد العصف الفكري هذا في صف مدرسي، بتحويل الصف إلى حلقة سقراطية، هي صورة رائعة لتعزيز التنشئة الديمقراطية وزرع حريات الفكر والرأي والتعبير في أذهان التلاميذ والطلاب، يكون على نظام التعليم أن يغيّر الكثير من ثوابت الأساليب التربوية. لأن ذلك يستوجب لعب الدارسين دوراً مهمّاً في العملية التعليمية، ما يدعم التحقيق والبحث العلمي لديهم، واكتشاف القواعد والنظريات بأنفسهم، لا صبّها بالقُمع أو بالقَمع في أوعية أدمغتهم.
لزوم ما يلزم: النتيجة الإضافية: القيمة المضافة في هذا المسلك، هي الآفاق النفسية التي تنفتح في شخصية الطفل، حين يشعر أنه عنصر فعّال في العملية التربوية.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"