رومانسية الواقع الافتراضي

00:26 صباحا
قراءة دقيقتين

في المجتمعات المستورِدة للفن والأفكار، لا يتم نقاش سلبيات هذه المواد إلا بعد زمن طويل، وغالباً بعد أن يكون المصدر هو الذي ناقش هذه السلبيات أولاً، فبعد سنوات من استيراد الأفلام الأمريكية والألعاب الإلكترونية والعالم الافتراضي عموماً، وبعد أن ترسخت صورة البطل والفكرة التي يعبّر عنها في ذهن الجمهور، بدأنا ندرك ما تحمله هذه المنتجات من آثار مدمرة. فلم تعد الخطورة في العنف المنفلت من عقاله، ولكن في استسهال القتل، الذي بات واضحاً في تفشي حوادث الطعن في كثير من البلدان الأوروبية، أما في عالمنا العربي ففي خلال أسبوع واحد فقط، قتلت عدة نساء في أكثر من بلد، على يد رجال تجمعهم بهن علاقات زواج أو حب.
 الجديد في حوادث العنف هنا، تلك العلاقة التي تربط بين القاتل والضحية، والمفروض أنها خاصة، وربما يرى البعض أن حوادث القتل بين الأزواج قديمة ومتكررة، ولكن الجديد حوادث القتل التي باتت تعبر عن نهاية علاقة «رومانسية»، والأكثر أهمية أن العالم الافتراضي بات يؤثر في منطقة شديدة الخصوصية بالنسبة لروح الإنسان، ونعني بها الإحساس بالحب.
 لقد تغير مفهوم الحب الآن عن الماضي بفعل ذلك العالم الافتراضي، والذي ينتج كائنات أنانية، مشدودة إلى واقع زائف تتطلع إليه على مدار اليوم في الهاتف النقال، حدود مشاعر تلك الكائنات أو تطلعاتها في علاقاتها أو إحساسها بالآخرين ترتبط بذواتها هي. هنا بإمكاننا أن نلمح نموذجاً جديداً للبطل المغترب في الواقع الافتراضي، فالحب لم يعد علاقة تفاعلية أو تضحية يقوم بها أحد الطرفين تجاه الآخر. 
 في الماضي كانت القصص الرومانسية الفاشلة، تنتهي باكتئاب شديد يعانيه البطل، يستمر لفترة ما تختلف بحسب قوة تجربته، أو ينتهى بتضحية يقدمها البطل نفسه في الحالات الموغلة في الرومانسية، أما بطل العالم الافتراضي: السينمائي والإلكتروني، فإنه لا بد أن يملك ما يرغبه، ولا بد أن تنتهي قصته بالفوز، وإلا فلا حل إلا بحرق العالم بأكمله، وإزاحة الطرف الآخر، مصدر توتره، عن الوجود. فالنهاية التقليدية القديمة لم تعد تُطرح أمامه في جميع الوسائل المفترض فيها نقل القيم والأفكار والتعبير عن المشاعر، ولا مفر في أن يكون نسخة من البطل الأمريكي.
  لا يوجد بطل في الأفلام الأمريكية يخسر، هو يمارس العنف والقتل، وينتهي الفيلم دائماً بإعلان انتصاره، ولا يحاسبه أحد على كم التخريب المبالغ فيه الذي مارسه طوال العرض، حتى وإن كان يسعى إلى أثبات الحقيقة أو تحقيق العدالة أو الاقتصاص من الأشرار. وبالتالي فإن من يقوم بالقتل، خاصة في قصص الحب، يجمع عندما يقدم على فعلته بين أنوية مواقع التواصل وشعور ما في اللاوعي بأنه بطل لن يعاقب وسينتهي «الفيلم» بفوزه.
  لا مجال لإعاقة التقدم المتمثل في تغول الواقع الافتراضي حتى وإن لم يعجبنا هذا التقدم، ولكن هناك فرصاً غائبة تتمثل في ضرورة دراسة تأثير هذا الواقع، ليس على السلوكيات وحسب ، ولكن على رؤية الإنسان للعالم وعلى روحه نفسها.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"