القيادة بين الزيف والحقيقة

00:52 صباحا
قراءة دقيقتين

تطرح اليوم برامج عالمية ومحلية في ما يسمى «القيادة» وإعداد القادة، وهي برامج مستحقة ومفيدة في إعداد الأجيال القادمة من القادة، ولا غبار عليها أو حتى مساءلة، لكن المساءلة الحقيقية على النسبة الحقيقية التي تدخل هذه البرامج، كم منهم في حقيقة الأمر يسمى قائداً، أو بذرة قائد، وكم منهم من لم يستوعب كل القيم والمفاهيم والحقائق والكتب، والزيارات، والاستثمارات التي ضخت فيه، فخرج منها فقط بالمسمى والشهادة؟.
القيادة فن وممارسة لا تختلف عن المجال الإبداعي. فالقائد الحقيقي يبدع في إنشاء منظومة إنسانية متكاملة في السعادة، والرضا، والشغف والتحفيز والإنجاز، في إدراك القيمة الفعلية للمورد البشري، في الاستحقاق الذي يضمن استمرارية الفكر والعطاء، في إدراك المسرعات الداخلية التي تحفز الفرق تحت رايته، إدراك الممكنات والمواهب المخفية في ذلك الذي ربما يجلس في زاوية بعيدة لا يدركه ولا يسمع عنه أحد، في قراءة القصص وإعطاء الفرص، في التحليل الشامل والشمولي ليس لما يقدمه المرء في نطاق الوصف الوظيفي الجامد «أحياناً»، بل في امتداد البصر خلف الأفق المسور ليتعرف فيه الى خبايا فكرية ومواهب متقدة قد تحول العطاء الجامد لعالم حيوي وحي.
القيادة سمة المجتهدين، الذين لا يملون الدراسة والتعلم، الذين يحترمون الكل ولا ينتقصون من أحد، الذين أدركوا أنه لا أهمية للمسميات سواء صغيرة أو كبيرة وأمعنوا النظر في تفاصيل المبدع الذي ينتمي اليهم. القائد الحقيقي من لم يغمض عينيه عن واقع الذي يعيش في محيطه وأقول يعيش لأنها حياة تستحق أن تعاش بكل كرامة واحترام، واقع يجسد الحالة الإنسانية بكل ما تمر به، من ظروف، وحاجات، أن يسمع له، وأنه يتوق للانفصال أحياناً، يحترم في وقته وذاته وأفكاره، لا ينظر له على أنه آلة وقعت عقداً وبموجب الراتب استعبد للأبد.
القائد الإنسان، هو من تخرج في مدرسة قادتنا وارتوى بصفاتهم وتواضعهم، واعتلى السلم ومعه أعداد كبيرة يفخر بأنهم تلامذته، أنه اكتشفهم وأوصلهم لعلم يزيد على علمه، القائد الإنسان هو من تخرج قبل البرامج في مدرسة زايد الذي علمنا أن الثروة الحقيقية هي الإنسان واحترامه وكرامته خط أحمر، أن مسيرة الحياة تكمل وتستمر حين نعيش في إدراك تام لأن الاستحقاق والتقدير والشكر واجب علينا، القائد هو الأب والأخ و الزميل، وما نراه من تجرد الإنسانية فيمن يدعي أنه قائد هو فعل لا يشكر عليه، ويجب أن يصحو ويدرك أنه فقط ينتمي لمدرسة التنفيذ ولم يدرك من صفة القائد إلا منصباً، وكم من مناصب خادعة.
القيادة سمة وشخصية لا تحتاج إلى مسمى أومنصب، نحن من يوجدها نبدع دونما حاجة لمسميات تختفي مع أول انسحاب أو استغناء، كونوا قادة بأخلاقكم وستظلون في القلوب حين تترجلون عن تلك الكراسي، فلا تختفون كما اختفى الكثيرون وصاروا لا يذكرون حتى في التاريخ.
 [email protected]

عن الكاتب

مؤلفة إماراتية وكاتبة عمود أسبوعي في جريدة الخليج، وهي أول إماراتية وعربية تمتهن هندسة البيئة في الطيران المدني منذ عام 2006، ومؤسس التخصص في الدولة، ورئيس مفاوضي ملف تغير المناخ لقطاع الطيران منذ عام 2011

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"