عادي

جمال الشحي.. الكتابة رسالة

قناديل إماراتية
23:58 مساء
قراءة 4 دقائق
1

علاء الدين محمود
في هذه الزاوية، نحتفي بمجموعة من أبرز مبدعينا الذين قدموا لمسات أدبية جمالية وإمتاعية، أثرت الوجدان، وارتقت بذائقة القراء، منحونا زاداً عبّر عن إنجازات الوطن وتحولات المجتمع وهموم البشر، كانوا ذاكرتنا التي تؤرخ للمكان ومدونتنا التي عبرت بصدق وإخلاص عن آمالنا وأحلامنا، هم قناديلنا التي نسترشد بها في دروب الحياة.

«القراءة هي السحر والفعل الذي يجعل الإنسان يشعر بأهمية التعليم والمعرفة والإبداع والحياة، ويحفزه إلى تغيير نفسه نحو الأفضل».. هكذا تحدث جمال الشحي بكلمات تحكي قصة كاتب اشتغل على ذاته بالتثقيف والاطلاع المستمر حتى استطاع ذلك القارئ أن يصبح واحداً من الأدباء الإماراتيين الذين برزوا في عدة مجالات أدبية، فقد تعلق قلبه بالكتابة الإبداعية فبرع فيها واستطاع أن يصقل موهبته التي برزت في مراحل باكرة في فترة الطفولة والصبا.

نشأ الشحي وترعرع في الشارقة التي شكلت وجدانه ومزاجه الإبداعي في فترة الثمانينات من القرن الماضي، وفي تلك المرحلة بدأت علاقته القوية مع القراءة التي كانت هي سبيل الاطلاع الوحيد في وقت لم تنتشر فيه سبل ووسائل التقنيات الحديثة، وكان الصبي يستغل، هو والأصدقاء، فترة انعقاد دورات معرض الشارقة الدولي للكتاب، من أجل أن يشترى كتاب، فكان أن شكل المعرض منعطفاً كبيراً في حياته الثقافية وشكل بدايات حبه للقراءة، ويشبّه الشحي القراءة بحساب التوفير، فهي الرصيد الذي يكبر كلما أضفت إليه، فتكبر معه المعارف، وكان كاتبنا مولعاً بالمفردات الأنيقة واللغة الرفيعة، وهذا ما انعكس على أسلوبه فيما بعد في مجال الكتابة، والملاحظة البارزة واللافتة هنا أن الشحي لم يفارق عالم الكتاب قط منذ لحظة أن كان قارئاً ثم كاتباً إلى أن صار ناشراً.

أدب الأطفال

يحمل الشحي حنيناً خاصاً لمؤلفات الأطفال التي اطلع عليها صغيراً في الحي القديم، والتي شكلت تجربته الإبداعية، فكان أن ألف عدداً من كتب وقصص الأطفال منها القطة الحكيمة، والقطة المشاكسة، وعيال زايد، والعديد من المؤلفات المخصصة للصغار والتي هي من أصعب أنواع الكتابة وتتطلب من المؤلف أن يكون ملماً بالكثير من المعارف المختلفة، ولعل التجربة الأكثر ثراء في ما يتعلق بأدب الأطفال، تلك التي جمعته في ثنائية في التأليف مع الكاتب محمد خميس، حيث أنتجت سلسلة يوميات مشاغب، ويوميات مشاغبة، وهي المؤلفات التي ترجمت إلى عدد من اللغات ووجدت احتفاء في العديد من الدول مثل الصين، وكانت ضمن أعلى الكتب مبيعاً داخل الإمارات، ويمتلك الشحي فلسفة خاصة في خوضه لتجربة الكتابة للصغار، فهو يقول: ما يميز الكتابة للأطفال أنها تجعل المشروع الإبداعي ينضج على مهل، وبالفعل كانت الكتابة للنشء بمثابة جزء من مشروع إبداعي مستمر، فقد جاءت كتابات الشحي بعد تلك المرحلة وهي تتميز بالنضوج الفني والتقني، وذلك الأمر ينطبق بصورة كبيرة على مؤلفه «أنا والعم سام»، تلك الرواية التي صدرت عام 2016، ووجدت صدى مميزاً حيث تعتبر من أدب السيرة والمذكرات والمشاهدات، وجمعها من رحلات عدة، خاصة أمريكا حيث أكمل الشحي دراسته هناك، وعالج الكاتب تلك اليوميات بأسلوب سردي مميز، وقد استغرق تأليفها خمسة أعوام، كما ينطبق ذلك الأمر أيضاً على روايته الأخرى «من مفكرة غاسل الموتى»، التي تتحدث عن تجربة الخروج من الجسد، وهي رواية فلسفية وكانت بمثابة تجربة جاءت أكثر نضجاً وإحكاماً وتكشف عن ثقافة عميقة للمؤلف ما أهلها لأن تلقى مردوداً مميزاً عند القراء.

هدف

في تجربته الإبداعية، يحمل الشحي تصوراً خاصاً عن الأدب، فهو لا يؤمن بالكتابة لمجرد الكتابة، حيث لابد من وجود هدف ورسالة ومعنى يكتشفه القارئ، وذلك ما يجعله لا يقبل على عملية التأليف إلا لهدف معين ورؤية تختمر في ذهنه، فقد وجد الشحي صعوبة في الخروج من أجواء روايته الأولى من أجل إنجاز عمل جديد، وذلك ما ظل الشحي يطلق عليه «غواية الرواية»، حيث إن الكاتب يحتاج إلى وقت كبير للتخلص من آثار عمل روائي يأسر كاتبه فترة طويلة، ويحتاج إلى زمن من أجل إنجاز إبداعي جديد.

مثابرة التحدي والإصرار والمثابرة والعمل الدؤوب، هي كلمات سر في تجربة الشحي الإبداعية، فقد عمل على إعداد نفسه بصورة هادئة وجهد مستمر، فكان من أهم المنعطفات في حياته، التي أضافت إليه الكثير هي فرصة التعليم في الخارج حيث قرر السفر إلى الولايات المتحدة والعيش هناك فكان أن درس اللغة ونال البكالوريوس والماجستير في الأنثروبولوجيا، وعمل هناك لفترة من الزمن وكانت تلك تجربة أثرت عقله ووجدانه، حيث التعليم والمعرفة والاحتكاك بثقافات كثيرة وأناس من شتى أنحاء الأرض، وأفادته تلك التجربة كثيراً في مشروعه الإبداعي حيث عاد إلى الوطن محملاً بطموحات وأفكار كبيرة في مجال الثقافة.

لم يقتصر الشحي في تجربته في الكتابة على الأدب والرواية فقط، بل مارس كذلك كتابة فن المقال الصحفي، التي لم يتخل فيها عن أسلوبه الإبداعي الروائي، حيث يبرع الشحي بصورة فريدة وعميقة في مجال الوصف وتصوير المشاهد ورصد التفاصيل الصغيرة العابرة، لذلك كانت تجربته الصحفية مختلفة، فهو لم يغرق في تفاصيل اليومي والمستهلك.

تجربة النشر

دخل الشحي في مجال النشر، فقام بتأسيس دار كتاب للنشر والتوزيع عام 2010، والواقع أن الرجل كان يحمل رؤية ثقافية وإبداعية هي التي دفعته لولوج ذلك العالم، وهي أيضاً تشير إلى روح التحدي عند الرجل، فقد كان يجد معاناة في نشر مؤلفاته، ففكر في إنهاء تلك الحالة عبر تأسيس دار نشر، لكنها تجربة استغرقت جل وقت الشحي الذي وجد صعوبة في العودة للكتابة مرة أخرى، ويقول عن ذلك الأمر: كنت أبحث عن ناشر لكتاباتي، وعندما وجدته ضاع مني الكاتب، واليوم أبحث عن الكتابة مرة أخرى، وبالفعل لم يستطع الشحي أن يعود إلى الكتابة بعد تأسيسه «كتاب»، إلاّ بعد خمسة أعوام، لكن رغم ذلك فإن التجربة حفلت بالكثير فقد عمل على فتح الفرص للكتابات الواعدة في مجال الأدب.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"