صراع الأقطاب

00:13 صباحا
قراءة دقيقتين

أخذ الصراع بين الأقطاب يتشكل وتتضح معالمه بعد قمة الناتو في مدريد، التي أعلنت عن استراتيجية جديدة في مواجهة روسيا، وتوسيع الحلف في الشرق عبر المضي في ضم السويد وفنلندا، وحشد مئات ألوف الجنود شرقاً، كما تم الزج بالصين، عبر نشر وثيقة تقدم بكين للمرة الأولى على أنها «تحدٍّ» لمصالح الأطلسي، وتحذر من مشكلات محتملة قادمة من العملاق الآسيوي على «قيم ومصالح وأمن» دول التكتل العسكري إلى جانب حلفائها، لكن روسيا والصين أبدتا انزعاجهما، ووجّهتا رسائل قوية تتحدى مخرجات القمة.
 الصين نددت بمحاولات الحلف «العقيمة» لتشويه سمعتها، ورأت أن هذه الوثيقة «المزعومة» لا تمت للواقع بصلة وتعرض الوقائع بشكل معاكس. وكانت سابقاً قد حذرت من أي تحركات عسكرية في البحر الجنوبي المتنازع عليه أو دعم تايوان؛ لأن ذلك سيؤدي إلى صدام لا تحمد عقباه. بينما روسيا، التي كانت محور المناقشات، أكدت أن الغرب يبني «ستاراً حديدياً» يقوم راهناً بين روسيا والغرب، كما ردت على تأكيد «الناتو» التزامه ب«سياسة الباب المفتوح»، من خلال دعوة فنلندا والسويد للانضمام إلى عضويته إذا وافق قادة الحلف التوقيع على بروتوكولات الانضمام، بتعزيز قدراتها على حدود هاتين الدولتين، والرد بصرامة على أي تحرك ضدها.
 دول «الناتو» شددت من لهجتها، عندما تعهّدت بدعم أوكرانيا بالأسلحة لهزيمة روسيا، وبالفعل تم في اليوم التالي اتخاذ قرارات بهذا الشأن، عبر إعلان بايدن مد أوكرانيا عسكرياً ب800 مليون دولار، ونية فرنسا تسليم كييف المزيد من مدافع «سيزار». ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فدول «الناتو» اتفقت على الالتزام بالإنفاق الدفاعي، وتعهّدت بالعمل على «تعزيز قدرة الحلف الفردية والجماعية لمقاومة جميع أشكال الهجوم»، كما شددت على أن «المفهوم الاستراتيجي للحلف يوضح المسؤولية الكبرى المتمثلة في ضمان أن يستند الدفاع المشترك إلى نهج شامل، يدعم العديد من المهام كالردع والدفاع، وتجنب وإدارة الأزمات، والتعاون الأمني».
 الحلف بخططه الجديدة عازم على تحصين نفسه، ورفع درجة التأهب، وزيادة قدراته، لمواجهة روسيا، بل إنه يتحفز لأي مواجهة مقبلة، وما زال يحشد وينفخ في نيران الحرب. ورغم بعض الأصوات العاقلة داخله، كفرنسا، التي حذرت من إذلال روسيا، إلا أن أمريكا ومن معها يصرون على إطالة أمد الحرب، واستنزاف روسيا ونسف أحلامها في الصعود إلى القطبية، ولم يتم الاكتفاء بروسيا، بل تم جرّ الصين إلى نفس المربع، واستجلاب المزيد من العداء في أوساط المجتمع الدولي.
 لكن روسيا والصين تدركان كل ذلك، وتحسبان للأمر حسابه وعلى استعداد للتصدي، ما يعني أن المجتمع الدولي برمّته مقبل على فوضى، قد تغير الخريطة السياسية في العالم، ومن يذكي هذا الإرباك العالمي، لن يسلم منه أيضاً، والجميع ليس بمعزل عن تجرع الكأس المر، في حال تطورت الصدامات.. لذا فإنه ليس أمام الغرب إلا خفض التصعيد والتفاهم على طاولة واحدة أمام الدب والتنين كأنداد؛ كي لا يصل العالم إلى مرحلة الاحتراق.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"