عادي

الاحتفاء بالتوقيع.. لا بالمتن

23:19 مساء
قراءة 5 دقائق
1

القاهرة: وهيب الخطيب

الحصول على أي كتاب أمر جيد، لكن قطعاً الحصول على نسخة ممهورة من المؤلف مسألة أفضل، وقد يتسابق الناس في بعض الأحيان للحصول على توقيع كاتبهم المفضل، وفي أحايين أخرى تصل إليهم النسخة الموقعة هدية من أصحابها، ربما لصداقة تجمعهم بالمؤلف أو زمالة عمل، أو معرفة شخصية، فماذا يمكن أن يفعلوا بها؟ ولماذا كل هذا الاحتفاء بالكتب الممهورة؟.

بالطبع يمكن أن يحول توقيع مؤلفك المفضل، كتاباً إلى عنصر مشجع على القراءة، ويزيد من قيمته لديك ومدى استحسانك للمادة التي تقرأها من جهة، ومن جهة أخرى لا ننسى أن الكتب الموقعة عند هواة جمع الإصدارات، تمثل عنصراً أساسياً في تجارة الكتب النادرة.

مؤكد أن التوقيع على كتاب هو أبسط أشكال التسويق التي يمكن للمؤلف إجراؤها، وما تضفيه من طابع شخصي فوري على عنصر تجري طباعته بكميات متباينة، بين المئات وعشرات الآلاف، وهو عمل مُرضٍ للغاية للمؤلف الذي يسعده أي طلب توقيع.

في الوقت الذي يسعى فيه أغلب الكتاب العرب إلى إهداء كتبهم، خاصة الشباب، إلى الصحفيين والنقاد وأصدقائهم، يطارد القراء الغربيون كتّابهم للحصول على توقيعهم على نسخ من مؤلفاتهم، وأبسط هذه الطرق هي مقابلة المؤلف للقارئ عندما ينظم هؤلاء ودور النشر جولات لكتابهم من أجل الترويج لأعمالهم الجديدة، وعادة ما تتضمن تلك الأحداث توقيعات وقراءات الكتب.

سياق تجاري

تعتبر الكتب الموقعة خاصة، لكنها أيضاً نشاط تجاري معقد يتضمن طبقات من التعقيد والفوارق الدقيقة التي قد يواجهها هواة جمع الكتب، بداية من معرفة نوع التوقيع ومدى ندرته أو أهميته التي يكتسبها من المؤلف أو المهدى إليه، أو كليهما.

وبالفعل من السهل شراء الكتب الموقعة دون مقابلة المؤلف. ويمكن للقارئ العثور عليها في المكتبات النادرة وعلى الإنترنت وفي معارض وأسواق الكتب القديمة، بينما يتجول بعض كتاب هذا العصر بانتظام، ويوقّعون أعداداً ضخمة من الكتب، منهم الروائيان البريطانيان سلمان رشدي، وكين فوليت، وكلاهما غزير التوقيع، لذلك تصبح نسخهم الممهورة أقل سعراً في سوق الكتب النادرة، في حين يجري المؤلفون الآخرون جولات أقل، خاصة بعد أن يحققوا نجاحاً هائلاً، مما يجعل أعمالهم ذات التوقيع نادرة، ومن الواضح توقف توريد النسخ الموقعة بعد وفاة المؤلف.

وبالنظر لعملية الكتب المهداة كنشاط تجاري، فليست كل التوقيعات متساوية. إن أكثر أشكال التوقيع قيمة هي تلك التي توقع عادة على صفحة الإهداء، للشخص الذي يظهر اسمه بالفعل على تلك الصفحة. وتعتبر «نسخ المؤسسات» أقل قيمة قليلاً، لكنها لا تزال مرغوبة في كثير من الأحيان في أسواق بيع الإصدارات الغربية، وكذلك التي تحتوي على نقوش موجهة إلى الأصدقاء المقربين والناشرين والوكلاء، وغيرهم من الأشخاص المهمين للمؤلف.

وبالتالي قد لا يفكر الكاتب الغربي في إهداء عشرات النسخ وتوقيعها على نحو مجاني لأصدقائه، فمن يودّ قراءة كتاب سيسعى إليه بنفسه، وربما وجد بعض المبدعين في الغرب أو في مناطق أخرى من العالم، عمليات الإهداء الغزيرة نوعاً من الاستجداء للقراءة، وخطوة قد تُفقد الكتاب بريقه وتُسقطه من حسابات القارئ، لكن هل حقاً كل من يتلقى كتاباً على سبيل الهدية يقرأه على نحو عاجل، أو يهتم بإبداء الرأي ومناقشته ونقده وتقييمه ولو على نحو انطباعي؟

علاقة روحية

في مقالته الشهيرة «العمل الفني في عصر الاستنساخ الميكانيكي» (1935)، يصف والتر بنجامين «الهالة» الموجودة حول عمل فني لم تتم إعادة إنتاجه ميكانيكياً (أي لم تجر طباعته في المطبعة. أو نسخه على قرص DVD أو ما إلى ذلك). الهالة، كما يقول، هي عنصر العمل الذي لا يمكن تكراره خارج موقعه المحدد في الزمان والمكان، هذا على ما يبدو وباختصار، هو سبب حبنا للكتب الموقّعة، ولماذا نتعامل معها غالباً على أنها أشياء ثمينة ذات أهمية طوطمية تقريباً. بعد كل شيء.

انطلاقاً من الرؤية السابقة، يرى الصحفي والمدون بريان هوي، أنه بإمكان القارئ الحصول على نص ما للكاتب الأمريكي مارك توين من شبكة الإنترنت، ثم إعادة طباعة عدد النسخ التي يريدها، لكن لا يمكن نسخ النسخة الموقعة بالطريقة ذاتها، وفي حالة تلفها أو ضياعها لا توجد طريقة لاستبدالها مرة أخرى.

ظاهرة طبقية

مسألة معرفة العرب بيع الكتب الممهورة في المكتبات التجارية أمر يكاد يكون نادراً، وينظر إليه بريبة طبقية في كثير من الأحيان، بوصفه تقليداً غربياً أو برجوازياً، لا يعني إلا فئة معينة من القراء، وبخلاف حفلات التوقيع التي يحضرها المؤلفون بأنفسهم، لا يعتاودن على ترك نسخ ممهورة على أرفف متاجر الكتب.

وبالتالي فإن أغلب الكتب الموقّعة تكون قد سلمت من صاحبها إلى القارئ المهدى إليه، أياً كانت علاقة هذا القارئ بعملية الكتابة، وهنا تختلف ردود الأفعال حيال هذه النسخ، فالبعض يظل محتفظاً بها وربما في ركن مميز من مكتبته، في حين لا يكترث البعض الآخر بها، وربما تخلص منها بعد قراءتها أو دون أن يفعل.

التصرف الأخير يوقع القراء أو الكتاب الذين يحصلون على الكتب المهداة في مواقف محرجة، خاصة المشاهير منهم، كأن يعثر أحدهم على النسخة الممهورة والمهداة إلى ذلك القارئ تباع في سوق الكتب القديمة، بعد أن يحصل عليها بائعو الكتب بطرق عدة أبرزها من بائعي «الروبابيكيا»؛ أي بائعي المستلزمات القديمة.

وهنا يحكي الصحفي إبراهيم سكر أنه ذات مرة وهو في ميدان الإسعاف وسط القاهرة، وأمام بائع كتب قديمة، لمح نسخة من أحد مؤلفاته، بجوار أعمال أدباء ومفكرين آخرين أمثال أحمد أمين وجمال الغيطاني وغيرهما.

ويضيف سكر في منشوره في فيسبوك، أنه التقط النسخة واشتراها، وسريعاً وجدها نسخة كان قد أهداها إلى أحد زملائه الصحفيين الكبار، وقت صدور الكتاب، والنسخة ممهورة بقلمه وتوقيعه ومؤرخة في 15 من أغسطس/آب 2015.

وبين سكر وقتها أنه قد سامح زميله، وألتمس له العذر فقد يكون قد تخلى عن الكتاب ضمن مجموعة كتب أخرى أراد التخلّص منها أثناء إعادة ترتيب مكتبه.

عصير الكتب

بعيداً عن أولئك الذين يتخلصون من الكتب، ثمة نماذج عربية جديرة بالالتفات للدور الثقافي الذي لعبته في التعريف بالإصدارات والكتابة عن الأعمال الإبداعية، ويأتي على رأس هذه النماذج الروائي الراحل علاء الديب، الذي ظل لعقود طويلة يكتب عن الكتب تحت عنوان «عصير الكتب» حتى صارت علامة مسجلة باسمه.

وبالتأكيد كان الديب يختار الكتب بنفسه وربما بحث عنها ليكتب عن الجيد منها، لكن هذا لا يمنع أنه خلال سنوات طويلة كان يتلقى الكثير من الإصدارات على سبيل الإهداء، وليس من السهل أن نعثر على كاتب نشر عمله في مصر، لم يفكر أو يسع فعلياً لإهداء إصداره للديب، فربما حالفه الحظ وتناوله في بابه الأشهر عربياً.

إهداء كتابك للديب ليس خطوة كافية للكتابة عنه، لكن يوكد الكثيرون من الذين اقتربوا من الرجل، أنها خطوة كافية للتعامل مع «هديتك» بشيء من التقدير والاحترام، وأول علامات هذا التقدير: قراءته بعناية، ومن ثم يدفعه كتابك إلى الاشتباك معه أو الانصراف عنه.

تقدير

من المؤكد أن تبادل الهدايا عمل إنساني يوطد العلاقات ويعمق المشاعر، وليس لدى الكتاب أعز من إهداء أعمالهم؛ الأمر الذي يتطلب من المهدى إليه، التعامل بنوع من التقدير مع الكتاب، ويصبح التجاهل أو التخلّص منه نوعاً من الإهانة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"