عادي

أوجين ديلاكروا أسير الملاحم الشرقية

ريشة مصنوعة من ألوان الحياة
23:24 مساء
قراءة 4 دقائق
اللوحة

الشارقة: علاء الدين محمود

في رسومات الفنان الفرنسي أوجين ديلاكروا (1798 ـ 1863)، نكتشف مقدرة عجيبة على التعبير الفني والجمالي، بما يصل حد العبقرية، ولا عجب في ذلك، فالرجل هو مؤسس ورائد التيار الرومانسي، وتزين أعماله العملاقة اليوم، والتي مازالت تجد إقبالاً كبيراً، متحف اللوفر في فرنسا إضافة إلى عدد من المؤسسات الفنية العالمية، ومن أهمها «موت ساردا نابل»، و«مذبحة كيوس»، و«الحرية تقود الشعب» التي تعد صورة للروح الوطنية والثورة الفرنسية ورمزاً لها، إضافة إلى أعماله التي تناول فيها جوانب مع الحياة العربية في المغرب مثل «خيول تتصارع في الاسطبل» وغيرها.

وجدت أعمال أوجين ديلاكروا إشادة كبيرة من النقاد من الذين وصفوا أعماله بأنها تتميز بتنوّع أفكارها ومواضيعها؛ حيث إن بعضها يتناول ملاحم وأساطير قديمة، والآخر يصوّر المعارك بين الأتراك واليونانيين، وأخرى استوحى مواضيعها من أعمال أدبية مثل أشعار شكسبير وجوته وبايرون وعوالم هوميروس صاحب «الإلياذة» و«الأوديسة»، وكأن لوحاته رسمت بريشة غمست في ألوان الأساطير والشعر والملاحم الأدبية، فهي تتميز بالقدرة على التعبير عن الحركة المشحونة بالعواطف، الأمر الذي وضعه على رأس المدرسة الرومنطيقية في فرنسا دون منافس قريب.

رحلة وإلهام

في عام 1832، كان ديلاكروا على موعد مع تاريخ ومنعطف جديدين في حياته الفنية، عندما سافر إلى المغرب برفقة بعثة فرنسية دبلوماسية؛ حيث قضى قرابة 6 أشهر كانت كافية لكي تمده بالإلهام والألق وتجديد مواضيعه الإبداعية، فقد اكتشف هناك عالماً جديداً ومختلفاً، وعادات وحياة اجتماعية سربت إليه الشعور بالدهشة والجمال، خاصة أن الفنان أراد بشدة الابتعاد عن حياة باريس عبر مغامرة تزوده بكل جديد، وهو الأمر الذي وجده في المغرب، فشرع مباشرة إلى رصد ذلك الواقع المختلف عبر المئات من اللوحات التي رسم معظمها بالقلم الفحمي والألوان المائية، واحتشدت مذكرته، التي كان يحملها في كل مكان، بالمشاهد والملاحظات، الأمر الذي عبأ ذاكرته ووفر له مخزوناً من المواضيع الشرقية التي باتت شغله الشاغل حتى لحظة وفاته في بلده فرنسا عقب تلك الرحلة العجيبة بـ 31 عاماً؛ حيث كان ديلاكروا يعتقد أن المغرب العربي وشمال إفريقيا بتراثها الغنيّ وتقاليدها العريقة هي المعادل البصري للثقافة الكلاسيكية لشعوب اليونان وروما القديمة، ولئن كانت المواضيع ذات الطابع العربي والشرقي لم تغب عن أعمال الرجل قبل قدومه إلى الشرق، فإن تلك الزيارة أو الرحلة، قد جعلته يطلع على الواقع بصورة مباشرة بدلاً من تخيله، فكان أن أنتج العديد من الأعمال العظيمة التي رصعت مسيرته الفنية ومنها: «طنجة»، و«صيد الأسود»، و«مغربي يسرج حصانه»، والعديد من الإبداعات التي تحتفظ بها متاحف عالمية عدة، والملاحظة المهمة أن ديلاكروا كان منذ بداية اشتغاله بالرسم مفتوناً بجموح ووحشية الحيوانات، ولطالما أثارت اهتمامه، بشكل خاصّ، الخيول وصراعاتها الدامية فيما بينها، وهو أمر رآه رأي العين أثناء زيارته للمغرب العربي؛ حيث صور في رسوماته جوانب من صراع الحيوانات بين بعضها، وصراعها مع الإنسان، فثيمة «الصراع»، كانت واحدة من أهم مواضيعه الفنية.

صراع

قام ديلاكروا برسم لوحة «خيول عربية تتعارك في الإسطبل»، عام 1860، من وحي وإلهام رحلته إلى شمال إفريقيا والغرب العربي، وقد قام بزيارة ذلك الإسطبل في مدينة طنجة، وفي هذا العمل يطلع الناظر على مشهد جوادين عربيين يتقاتلان بضراوة داخل إسطبل، بينما يحاول حرّاس الإسطبل التدخّل لوقف عراكهما، وبرع الرسام في تصوير آنية وحركية الصراع بين الحيوانين الهائجين؛ حيث كانت العبقرية واضحة في اقتناص ورصد الحركة الدائرية والإيقاع الراقص للحيوانين فهما توحيان بالصراع الذي يبدو بلا نهاية، وهي الفكرة التي تقوم عليها لوحات عديدة لديلاكروا؛ حيث لا يمكن فصل الشكل فيها عن المضمون، ونلاحظ في اللوحة تلك التباينات القويّة للضوء والظلّ وتوظيف الألوان الصاخبة مما يعمق الإحساس بشراسة وعنف الصراع بين الخيول.

عبرت تلك اللوحة عن حب عظيم للفنان بالخيول، وفي الحقيقة كان ديلاكروا ينجذب بشدة إلى مراقبة الحيوانات البرّية كالنمور والأسود والفهود، وقبل ذهابه إلى المغرب، كان يتردّد على حديقة حيوانات باريس، كي يراقب ويرسم الحيوانات فيها، غير أن حبّه الأكبر كان للخيول؛ حيث كان الحصان عنده يجسّد بحث الفنان الدائم عن المجد والصعود إلى الشهرة، فهو يرمز إلى تلك القيم التي ينشدها الإنسان، ولم يشبع حبّه للخيول إلا بعد زيارته للمغرب، فبعد تلك الرحلة أصبحت الخيول العربية الممشوقة ملمحاً ثابتاً في عدد غير قليل من اللوحات التي رسمها في ما بعد.

فلسفة

شرح ديلاكروا ذات مرّة مغزى افتتانه برسم مشاهد العراك بين الحيوانات مثل الخيول والأسود وغيرهما، بقوله: «الإنسان نفسه مخلوق همجي، والبشر في واقع الأمر ليسوا أكثر من نمور وذئاب مدفوعة برغبتها الكامنة في تدمير بعضها»؛ وذلك يشير إلى أن أعمال ديلاكروا، لم تكن مجرد افتتان جمالي من دون المضمون؛ بل تعبر عن رؤية فكرية وفلسفية حول الصراع الذي جسده في أعماله بمشاهد الحيوانات المتصارعة، وصيد الأسود الذي يشير إلى الصراع بين الإنسان والحيوان.

مصادر الجمال

كانت أعمال ديلاكروا الفنية والإبداعية والتي تميزت بالروعة والجمال والاختلاف، حافزاً للعديد من الفنانين الفرنسيين والغربيين بصورة عامة؛ حيث اندفع الكثير منهم نحو الشرق والمغرب العربي، لرصد تلك الحياة المفعمة بالجمال، والبحث عن مصادر إلهام جديدة ومختلفة عن تلك التي عاشوها في الغرب، وقد ازداد اهتمام الفنانين الفرنسيين بصورة كبيرة بعد مقولة ديلاكروا الشهيرة في وصف المغرب: «عند كل خطوة، هناك لوحات جاهزة للرسم، يمكنها أن تُشغل عشرين جيلاً من الفنانين»، وقد حفزت تلك المقولة عدداً كبيراً من الرسامين الذين صار الشرق قبلتهم ومبلغ همهم الإبداعي والجمالي، ويمكن القول إن لوحات ديلاكروا الشهيرة ومنها «خيول عربية تتعارك في الإسطبل»، و«صيد الأسود»، وغيرها، قد ألهمت كذلك عدداً من الفنانين الإنجليز الكبار مثل جورج ستبس الذي رسم الخيل في عدد من لوحاته، أشهرها «الجواد ويسل جاكيت» و«أسد يهاجم حصانا»، والطريف أن بعض النقاد قد ذكروا أن هنالك أوجه شبه بين ملامح وجه الرسّام «ديلاكروا»، والأسود التي كان مغرماً برسمها؛ حيث ذكر عدد منهم أن عينيه؛ أي الفنان، كانتا تشعان ببريق أخّاذ كما كانت عظام وجهه ناتئة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"