نصيحة من ذهب

02:03 صباحا
قراءة دقيقتين

مارلين سلوم‏

بعد 49 عاماً من تقديمه للعالم اختراعاً شكّل ثورة قلبت حياة الناس رأساً على عقب، فوجئ المهندس الأمريكي مارتن كوبر البالغ 93 عاماً؛ بل عبّـر عن ذهوله من الوقت الذي «يهدره» الناس مع الهواتف المحمولة، واستغرب قول امرأة إنها تقضي خمس ساعات في اليوم على هاتفها، بدلاً من أن يشعر بالفخر والتباهي باعتباره مخترع أول هاتف محمول في العالم!.

لم يتخيل كوبر حين اخترع أول هاتف محمول عام 1973 وكان مهندساً في شركة موتورولا، أن يصل الأمر بالإنسان إلى حد إدمان الهواتف والتواصل الاجتماعي و«التشات» والألعاب والمواقع الإلكترونية.. كان هدفه تسهيل وسيلة الاتصال كي يتمكن المرء من التحدّث وإجراء المكالمات بسهولة، من خلال هاتف يلازمه في جيبه أينما ذهب؛ لذلك أذهله أن يهدر الإنسان وقته صحبة الهاتف وقدم نصيحة ثمينة وفق ما ذكرت «نيويورك بوست»، بضرورة ترك الأجهزة وعدم الإفراط في استخدامها، من أجل الاستمتاع بالحياة.

النصيحة هذه من ذهب لأنها تأتي من رجل يدرك جيداً ما هو الهاتف على الرغم من أهميته، فهو مجرد آلة تسرق الوقت، بينما الحياة غنية بالحيوية والمتعة والجمال الذي لا يمكن تعويضه، وحين ننظر من حولنا نشعر بالأسف على ما وصل إليه حال كثير من الأطفال والمراهقين الغارقين في العالم الافتراضي، وهم يجهلون مذاق العالم الواقعي، والفرق كبير بين العالمين لا مجال للمقارنة ولا التعويض.

العالم الافتراضي الذي ينجرف إليه الصغار والشباب يفصلهم عن العالم الواقعي ويسحبهم نحو عزلة إجبارية، لا تواصل حقيقي مع محيطهم، لا مواجهات فعلية لكل ما في الحياة من حلو ومر؛ بل مجرد أوهام يتصارع معها الطفل في خياله، فيجد نفسه إما مهزوماً فيزداد إصراراً على مواصلة المواجهة حتى ينتصر، أو بطلاً يتباهى بإنجازاته التي هي فعلياً وهمية لا قيمة لها.

لا نصدّق كل الدراسات لكن بعض الإحصاءات يؤكد ما نراه ونلمسه أو نشاهده من وقائع، فكيف لا نصدق الإحصاءات التي تؤكد أن نسبة الانتحار في الولايات المتحدة الأمريكية لدى المراهقين تشهد ارتفاعاً كل فترة، بسبب الاستعمال المفرط للهواتف الذكية؟ ولماذا منع عبقريا التكنولوجيا الحديثة بيل جيتس، وستيف جوبس، أبناءهما من استخدام «هذا السم» المنتشر حول العالم إلا بقدر محدود يومياً؟.

الإدمان ليس محصوراً في إدمان المخدرات، فأغلبية البشر أصبحوا أسرى الهواتف والتكنولوجيا، ولا يمكننا التخلي عنها، وليس المطلوب أبداً أن نعود خطوات إلى الخلف، لكن التعلق الزائد بها وترك الأبناء يتأثرون بسحرها فيبتعدون عن الحياة الواقعية، ويعيشون في غربة عن الطبيعة والأشياء الملموسة، هو الخطر الذي يجب تفاديه.
[email protected]

عن الكاتب

كاتبة وناقدة سينمائية. حاصلة على إجازة في الإعلام من كلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية. ساهمت في إصدار ملحق "دنيا" لجريدة الاتحاد ومن ثم توليت مسؤولية إصدار ملحق "فضائيات وفنون" لصحيفة الخليج عام 2002 فضلا عن كتابتها النقدية الاجتماعية والثقافية والفنية. وشاركت كعضو لجنة تحكيم في مهرجان العين السينمائي في دورته الأولى عام ٢٠١٩

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"