يوميات وخواطر.. «كُنْ أنت»

00:32 صباحا
قراءة دقيقتين

خَطَرَ للشاعرِ وهو يتلوّى الليلَ كلَّه بسبب حصاة صغيرة في خاصرتهِ أن يستعيدَ صورة أبيه الحجّار حين كان الأبُ شاباً في الثلاثينِ من عمرهِ وهو يقطع الصخر، وينسفه، ويفتته في البريّة الجافّة فيما الابن، الآن في الستين من عمره، ابن الحجّار، لا يقوى على تفتيت حصاة أقل من عقلة الإصبع. ويتلوّى ويتلوّى..
خَطَرَ للإنسانِ أن يكونَ ملاكاً، فكتبَ الشعر، وخَطَرَ للحجرِ أن يكونَ حضارةً فصارت الحجارة مدناً وجسوراً وقلاعاً وتماثيلَ ونحوتاتٍ..
خَطَرَ للوردةِ أن تكونَ قصيدةً صغيرة، فصارت عطراً، وخَطَرَ لحبة القمح أن تكون خبزاً، فأصبحت سنبلة. خَطَرَ لبذرة صنوبرة أن تكونَ شجرةً، فأصبحت غابة.
خَطَرَ للحجرِ أن يتزوّجَ من الماء، فأصبحَ الكثير من الحصى في الأنهارِ. لا نهر يجري طيباً وجميلاً ورقيقاً إلّا بعائلة من الحصى في الماء. الماء الذي يصقل الحصى، ويطهّره، وينقّيه، ثم، ويا للغرابة.. أخيراً، يُفتّته..
غارَ الحجر من الذهب، فصارَ فيروزاً وكهرماناً وكريماً. والحجر رجل تزوّج من الماء والتراب والهواء. مادة مركبة من عناصر ذلك «الخيميائي» الأول الذي اكتشف الشعر في الطبيعة، وأوّل الشعر تلك الكلمات القليلة الصغيرة، وأوّل الحجارة هي الحصى. لا شيء كبيراً إلّا ويبدأ صغيراً. الحزن يبدأ بدمعة. قطرة ماء مالحة تسقط من العين، وتنتهي إلى تراب.
خَطَرَ للحجارةِ أن تكونَ فنوناً، فصارت أقواساً ومدرّجات. صارت الحجارة شرفات، وفي الشرفات نضحك ونتثاءب، ونمزح، ونقرأ، ونكتب..
استعار الحديد من الحجر فكرته وثقافته، وهكذا، خَطَرَ للحديد أن يكونَ سلاحاً فصار سيفاً، ثم صار الحديد كثيراً، صار باباً، وعملة، وناقوساً، وأجراساً، وصناعة..
الخشب أيضاً استعار من الحجر حضارته وعبقريته صار الخشب سُرراً، ومقاعد، وآنية. صار الخشب تابوتاً. لولا الخشب الطيّب الجاف الجميل لما تأجّجت النار..
ولا تنسَ أيضاً، خَطَرَ للنهر أن يصيرَ بحراً، فأصبحَ ساقية، وخَطَرَ للرابية أن تصير جبلاً فأصبحت خطاً على الرملِ..
بعيداً عن ضعفك البشري لا تكنْ سوى أنت. انهض من عمرك واذهب إلى الحياة.. إذا أردت كن حجراً، وحديداً، وقمحاً، وماءً، وعطراً، وريشاً، وطائراً، كُنْ أنت.
غداً أواصل.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"