حدود إنسانية

التنقل غير المتكافئ وإنقاذ الأرواح
22:47 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
4
4
4

عن المؤلف

الصورة
2
بولي باليستر ويلكينز
* بولي بالستر ويلكنز عالمة جغرافيا سياسية وأستاذة مشاركة في جامعة أمستردام

 يدفع الفشل السياسي في الكثير من الدول إلى تفاقم الأزمات الإنسانية، ما يجبر الشعوب على الهرب من الواقع الأليم الذي تعيشه، والتوجّه نحو ملاذات في دول غربية توفر لهم الأمن والاستقرار الاقتصادي والكرامة، لكن هذا التنقل يمرّ عبر حدود عنيفة يفقد الكثيرون منهم أرواحهم. يتناول هذا الكتاب سياسات الاستجابات الإنسانية للعنف الحاصل على حدود الدول وقضية التنقل البشري غير المتكافئ.

يرسم هذا الكتاب خطاً مباشراً بين امتيازات التنقل وعدم المساواة العالمية في العرق والطبقة والجنس والإعاقة المتأصلة في التاريخ الاستعماري وتفوق البيض والجهود الإنسانية في إنقاذ الأرواح مع ترسيخ مثل هذه التفاوتات. يستند هذا العمل إلى ثماني سنوات من بحث المؤلفة مع شرطة الحدود ومسؤولي الاتحاد الأوروبي والعاملين في المجال الإنساني المحترفين والناشطين في المناطق الحدودية الأوروبية، بما في ذلك إيطاليا واليونان، ويبين أن هذا الشكل من إنقاذ الأرواح يبني ويوسّع ويعمّق الحدود المقيدة والهويات الحصرية والاستثنائية من خلال العمل الحدودي الإنساني.

 كتبت المؤلفة هذا العمل احتفاء بالموقف المشترك ضد التنقل غير المتكافئ والمخاطر التي تسببها الحدود اليوم. كتبته لأولئك الذين تتضامن معهم في محاولاتهم لتقليل مخاطر عدم المساواة في التنقل وإعادة التأكيد على الكرامة الإنسانية للاجئين والمهاجرين. لكن الكاتبة تؤكد أن الغرض من هذا الكتاب أيضاً أن يكون تحذيراً من رؤية الجهود الإنسانية المنقذة للحياة على الحدود على أنها دواء سحري أو «حل» مستدام أو عادل للعنف والأذى الناجم عن التنقل غير المتكافئ، قائلة: «الحلول الإنسانية ليست حلولاً سياسية. إن ظهور حلول إنسانية للقضايا السياسية الأساسية المتمثلة في عدم المساواة العالمية وعدم المساواة في التنقل يخفي الأسباب الهيكلية لمثل هذه التفاوتات ويخرجها في نهاية المطاف من التسييس، ويقدمها على أنها طبيعية وليست نتاجاً لقرارات وأفعال بشرية»، وتشير إلى أن سياسات «الأعمال الصالحة» أكثر تعقيداً مما تبدو عليه لأول مرة، قائلة: «غالباً ما يكون ل«الأعمال الصالحة» والمثل الإنسانية المتمثلة في «عدم إلحاق الضرر» تأثيرات ضارة تعمل على تقوية أوجه عدم المساواة القائمة بدلاً من تقديم تغيير جوهري. على هذا النحو، فإن الحدود الإنسانية هي عَرَض وليست علاجاً».

 يأتي هذا العمل ليتناول الجانب الإنساني كرد على التنقل غير المتكافئ، وهو ليس كتاباً عن اللاجئين أو المهاجرين، أو الاختلافات بينهم أو عن سياسات مثل هذه التصنيفات، والتي هي في حد ذاتها أحد أعراض وسبب عدم المساواة في التنقل. كما أنه ليس كتاباً عن سبب اختيار الناس البحث عن الحياة في مكان آخر. القصد من هذا الكتاب، كما توضحه المؤلفة، أن يكون بمثابة اعتراف بالجهود المنقذة لحياة الكثيرين في استجابة للحدود العنيفة والتنقل غير المتكافئ، ومساهمة في الدعوة من قبل مختلف المنظمات الإنسانية ومجموعات الناشطين لتأسيس طرق آمنة وقانونية.

 تداخل الحدود الإنسانية والسياسية

 يدور الكتاب حول ما أسماه عالم الدراسات الأمنية النقدية ويليام والترز «الحدود الإنسانية» بسياساتها وآثارها. يجمع العمل رحلة الكاتبة البحثية منذ عام 2012 وزيارتها إلى مكتب قائد الشرطة اليوناني؛ حيث قابلت «الحدود الإنسانية» لأول مرة في الفصل الأول. تقول عن ذلك: «في إيفروس، ترتبط عدم القدرة على التعرف إلى الضحايا بسبب نقص الوثائق، لأن عدم حمل المهاجرين وثائق شخصية يصعّب من ترحيلهم. إنهم يهدفون إلى السفر دون أن يتم اكتشافهم لأنه لا يُسمح لهم بالعبور عبر معبرين حدوديين رسميين، وفي كثير من الحالات، لن تسمح لهم أوروبا بالبقاء، أو على الأقل لا تريدهم ذلك. المهربون متواجدون للمساعدة على هذه الرحلات السرية، استجابة لسوق أنشأته رغبة الناس في البحث عن حياة أفضل في أوروبا. من المستحيل معرفة عدد الأشخاص الذين عبروا النهر في قوارب صغيرة أو عن طريق التشبث بالحبال. الأرقام التي جمعتها السلطات الأوروبية تحصي فقط تلك التي تم الكشف عنها عن طريق الحدود. غالباً ما تحدث هذه الاكتشافات عندما يجد المهاجرون أنفسهم بحاجة إلى إنقاذ».

 عندما تكشفت الأحداث في العالم الحقيقي لها وأصبح هذا موضوع بحثها، تقول: «قادني هذا العمل على الجانب المهم من مراقبة الحدود إلى توسيع تركيزي على عمل المنظمات الإنسانية التي بدأت عمليات البحث والإنقاذ في البحر الأبيض المتوسط في عام 2014. قادني مجال العمل الجديد هذا ذات صباح في أواخر إبريل/نيسان 2015 إلى مكاتب منظمة «أطباء بلا حدود» في أمستردام. دفعني اهتمامي المبدئي بقرار أعضاء المنظمة تقديم المساعدة الطبية على متن سفن للاجئين إلى مشاركة بحثية مكثفة معهم؛ حيث عززوا جهودهم في البحث والإنقاذ من خلال إطلاق زورقين آخرين. كما قاموا بتوسيع عملياتهم على الأرض استجابة لأعداد متزايدة من اللاجئين والمهاجرين الذين يصلون إلى اليونان».

 تقول أيضاً في هذا السياق: «في هذه الأثناء، عندما وصل عدد متزايد من الأشخاص إلى اليونان في عام 2015 بحثاً عن مستقبل خالٍ من الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان وعدم الاستقرار الاقتصادي، تجمع آلاف المتطوعين لتوفير الاحتياجات الأساسية»، موضحة: «ومع ذلك، فإن عدم المساواة في التنقل لا ينتج عن عدم المساواة في حد ذاته. لا يعتبر التنقل غير المتكافئ نتيجة طبيعية للتفاوتات بين الأغنياء والفقراء، لكنه نتيجة لتواريخ معينة وقرارات سياسية والعمل اليومي لحرس الحدود والمسؤولين الحكوميين المحليين ومسؤولي النقل وأصحاب العقارات والعاملين في مجال الرعاية الصحية والمعلمين ومجموعة من الأشخاص الآخرين الذين يساعدون على جعل الحدود واقعاً مادياً يومياً. التنقل غير المتكافئ هو سبب ركوب الناس قوارب غير آمنة عبر البحر الأبيض المتوسط، أو الاختباء في حاويات مغلقة لعبور القناة، أو مواجهة صحارى قاحلة، أو الاختباء في معدات هبوط الطائرات، معرضين أنفسهم للتجمّد والاختناق حتى الموت وأحياناً يسقطون من السماء.. هذا هو التنقل غير المتكافئ».

 سياسات التنقل وتعزيز العنف

نظمت الباحثة هذا الكتاب حول ثلاث دراسات حالة متعمقة حول الجهات الفاعلة الرئيسية المشاركة في تقديم المساعدة الإنسانية على المساحات الحدودية: شرطة الحدود التي تعمل نيابة عن الدولة والمؤسسات التي تتجاوز الحدود الوطنية مثل الاتحاد الأوروبي؛ منظمة «أطباء بلا حدود» بصفتها منظمة إنسانية تقليدية واسعة النطاق؛ والمتطوعين الناشطين من القاعدة الشعبية.

 من خلال التركيز على هذه الحالات الثلاث، تظهر الكاتبة العلاقة الحميمة بين الحدود العنيفة والتنقل غير المتكافئ وجهود الإنقاذ التي تحدث استجابة لذلك. من خلال هذا التركيز، تظهر الفروق بينهم: الاختلافات في الدافع؛ الاختلافات في كيفية ممارسة الشغف؛ أفكار مختلفة حول العمل في أوقات الأزمات؛ كيف تؤثر المساحات الحدودية المختلفة في أنواع المخاطر التي يواجهها اللاجئون والمهاجرون وأشكال الإنقاذ اللاحقة؛ الموارد المختلفة الموجودة تحت تصرف رجال الإنقاذ؛ اختلاف وجهات النظر حول العنف على الحدود وعدم المساواة في التنقل، والسياسات المعقدة التي توحي بها هذه الاختلافات.

 تعرض الكاتبة في الفصل الثاني بالتفصيل تطور أنظمة التنقل غير المتكافئة التي تملي كيفية تحرك الناس حول العالم وعبر حدود الدول وداخلها. تقول: «لقد أرست هذه الحدود تاريخياً حدوداً حصرية وخطِرة في إطار إنشاء خط ألوان عالمي من خلال العبودية عبر المحيط الأطلسي، ورأس المال الزراعي، وإلغاء العبودية والتحرير اللاحقين، والاستعمار الاستيطاني الذي عزز نفوذ البيض وربطه بالتنقل الحر وأخضع الأسود والسكان الأصليين إلى مجموعة من ضوابط التنقل». تركز المؤلفة هنا على الكيفية التي تم بها استبدال أنظمة عدم الحركة العنصرية العلنية بضوابط على الدول ومستويات التنمية والأدوات - جوازات السفر والتأشيرات - التي تعمل على الحفاظ على مثل هذه الأنظمة التفاضلية أو التنقل. إلى جانب ذلك، تربط المؤلفة المحاولات الإنسانية المبكرة لتخفيف المعاناة بالمخاوف المتعلقة بالحركة المفرطة للسكان السود والسكان الأصليين في اقتصادات المزارع ومستعمرات المستوطنين البيض، ما يبرز كيف أن الإنسانية هي أداة ليبرالية حداثية تسهل وتدعم التفوق الأبيض. أخيراً، تقدم مفهومها عن العمل الحدودي الإنساني؛ حيث تدخل الممارسات الإنسانية التي لا تحد من العنف فحسب؛ بل تُنظمه أيضاً، حيز التنفيذ في المساحات الحدودية، (وتعيد) إنتاج تنقل غير متكافئ في الوقت الحاضر.  تنتقل المؤلفة إلى الجهات الحكومية في الفصل الثالث الذي يستكشف كيف أن العلاقات بين حراسة الحدود وإنقاذ الأرواح تنظم العمل اليومي لنماذج مثل الشرطة اليونانية بالقرب من نهر إيفروس الحدودي مع تركيا الذي جلست معهم الكاتبة وطرحتهم عليهم أسئلة عديدة. لكنها تستكشف أيضاً هذا التوتر في النهج الذي اتخذه الاتحاد الأوروبي من خلال الوكالة الأوروبية لحرس الحدود وخفر السواحل، المعروفة باسم «فرونتكس». هنا، تضع الباحثة إنقاذ الأرواح من قبل الجهات الفاعلة الحكومية ضمن تواريخ أطول بكثير من عمل الدولة، بحجة أنه لا ينبغي أن نتفاجأ عندما نجد ما يبدو للوهلة الأولى أنها إجراءات متناقضة من الرعاية والسيطرة في عمليات أمن الدولة، وأن مثل هذه الإجراءات قد لا تكون متناقضة في الواقع على الإطلاق.

 في الفصل الرابع، تتابع بالتفصيل الأعمال الحدودية الإنسانية لمنظمة «أطباء بلا حدود»، معلقة على ذلك بقولها: «يتيح لي ذلك توضيح كيفية قيام المناطق الجغرافية الخاصة بالمساحات الحدودية ببناء المساعدة الإنسانية، وتقييدها في بعض الحالات وخلق فرص جديدة في حالات أخرى، وإعادة تشكيل تقديم الرعاية الإنسانية حول البنى التحتية للنقل والحلول المتنقلة. لقد أوضحت كيف أدت رؤية عمليات البحث والإنقاذ في البحر، والتي ربما تكون التدخل الحدودي الأكثر شهرة لمنظمة «أطباء بلا حدود»، إلى حشد جماهير متباينة ذات مواقف متعارضة تجاه الوفيات على الحدود والحدود المقيدة. وفي الوقت نفسه، أشدد على الطبيعة العرضية لكثير من العمل الإنساني من خلال التركيز على كيفية اعتماد عمل منظمة «أطباء بلا حدود» الإنقاذ على حدود الدول، «ما يؤدي إلى أن تصبح المنظمة، عن غير قصد، وإن كان ذلك حتمياً، جزءاً من الجهاز الحدودي الذي تسعى للتخفيف من آثاره». إضافة إلى ذلك، توضح الباحثة كيف أن العمل الإنساني في المساحات الحدودية يعيد تشكيل إمكانية التنقل حول التسلسل الهرمي للقدرة على التحمل بدلاً من الحقوق العالمية للتنقل، ما يعيد التأكيد على عدم المساواة في هذه العملية. ولا عجب في أن كل هذا يخلق تحديات للطرق التقليدية للعمل في أماكن ثابتة ومع مجموعات سكانية ثابتة، وهذا بدوره يثير أسئلة أخلاقية للمهنيين الطبيين وغيرهم من العاملين في المجال الإنساني على حد سواء».

 يركز الفصل الخامس على ردود فعل المتطوعين- الناشطين على الحدود العنيفة والتنقل غير المتكافئ. غالباً ما تستجيب هذه النزعة الإنسانية الشعبية للمحتاجين بشكل أسرع بكثير من الآليات المرهقة للدول والمنظمات الدولية الكبرى، وتسلط الضوء على سياسات ومشكلات استجابات كل من الدولة والمنظمات غير الحكومية التقليدية، بما في ذلك السرعة والتواجد ونماذج التدخل القياسية من أعلى إلى أسفل. في الوقت نفسه، تستكشف الباحثة كيف تسلط النزعة الإنسانية على مستوى القاعدة الشعبية الضوء على الأسباب الحقيقية وراء إضفاء الطابع المؤسسي على العمل الإنساني في المنظمات الدولية الكبيرة مع الإشراف الإداري، والتسلسل الهرمي للمسؤولية، والأخلاقيات السلوكية، والوصول إلى الموارد الهائلة. يركز هذا الفصل بشكل أساسي على عمل المنظمات الإنسانية الشعبية في ليسفوس باليونان، إلى جانب كاليه وأماكن أخرى، ويناقش احتمالات سياسة تنقل أكثر راديكالية ضمن مثل هذا العمل الشعبي. 

 يسلط الفصل الخامس، الضوء أيضاً على حدود العمل القائم على الاستجابة للأزمات وتقديم الرعاية، بدلاً من المطالبة بالحق في التنقل، أو إصلاح سياسات الحدود الحالية أو الدعوة إلى إنهاء حدود الدولة معاً.

 في الفصل السادس والأخير تجتمع هذه الخيوط المختلفة معاً، وتناقش المؤلفة بمزيد من التفصيل حدود العمل الإنساني لمعالجة الحدود العنيفة وعدم المساواة في التنقل. وبذلك، تجيب عن سؤال: ما هي النزعة الإنسانية، ولمن هي؟ قائلة: «لقد بحثت في حدود الإنسانية كشكل من أشكال الوهن والتحول اللاحق إلى الحلول التنموية، إلى جانب التساؤل عن الأخلاقيات السياسية لنهج مستقل للتنقل يعطي امتيازاً للحق في التحرك فوق كل شيء آخر، بما في ذلك الحق في البقاء»، وتستكشف الباحثة طرقاً بديلة للعيش؛ حيث يمكن للمناهج التي تتناول السكان الأصليين وما بعد الإنسانية وغير الاستعمارية إعادة توجيه علاقة الإنسانية مع التنقل والإنسانية في المستقبل.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
جرايسي ماي برادلي ولوك دي نورونها
1
أندرو موناغان
1
إيفا راسك كنودسن وأولا راهبيك
2
ميشيل مودي آدامز

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

2
كريستوفر كلاري
1
جوناثان دارلينج
1
ماريوس بوسماير، أكيم كيميرلنغ، كيس فان كيرسبرجن، وبول ماركس
1
أولوفيمو أو.تايو
1
أظفر شافي وإلياس نجدي
1
مايكل راسكا، كاتارزينا زيسك، وإيان باورز
1
غريغور غال
1
عاصم سجّاد أختار