ديمقراطية تستولد الأزمات

00:09 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

التعريف البسيط للديمقراطية أنها حكم الشعب، فالشعب هو الذي يختار ممثّليه في البرلمان عبر الانتخابات، وهو أيضاً الذي يختار رئيسه سواء عبر الانتخاب المباشر أو عبر الانتخاب من خلال ممثليه في البرلمان، ولكن الحقيقة أن الديمقراطية لا تضمن بأي حال من الأحوال أن يحكم الشعب نفسه عبر ممثّليه، ولعل بعض دولنا العربية من التي أعلنت عن الديمقراطية نهجاً سياسياً سواء حديثاً بعد كارثة ما أسموه «الربيع العربي» أو قبلها، هي خير دليل وبرهان. 

اختار لبنان الديمقراطية نهجاً منذ تأسيسه، وجدّد النهج عبر اتفاق الطائف 1990، ونتيجة طبيعته الخاصة وتكوينه التعددي اختار لنفسه ديمقراطية غير ديمقراطية، ديمقراطية لا تستند إلى إرادة الشعب، ولكنها تكرس الطائفية وتعتمد المحاصّة ليس في البرلمان والرئاسات الثلاث (الجمهورية والحكومة والبرلمان) فقط؛ بل تعتمد المحاصّة في التشكيلة الوزارية وفي الوظائف العسكرية والأمنية، وأيضاً في الوظائف العامة لتمتد إلى النقابات والوظائف المتوسطة والصغيرة. ومن يتتبع أوضاع لبنان يدرك أن ديمقراطيته التوافقية، عرجاء لم تجلب له أي توافق؛ بل حرمته من الاستقرار وجلبت له الأزمات الاجتماعية والانهيار الاقتصادي والعقم السياسي، وتركته في يد مجموعة من أصحاب المصالح يتحكّمون في قراره ومصيره، ويحوّلونه إلى تابع لقوى خارجية تعبث بأمنه واستقرار شعبه، وهي الديمقراطية التي تسببت في هروب أبنائه من جحيم أزماته الكثيرة، ومن القلق على حاضرهم ومستقبلهم، وهي الديمقراطية التي جعلت مناصبه السيادية في فراغ، وحوّلت حكوماته إلى حكومات تصريف أعمال، إنها ديمقراطية الترهيب بالسلاح، وحماية الفاسدين، واقتسام المناصب على عائلات ومتنفذين. وعلى الرغم من أن الانتخابات الأخيرة نجحت في الخروج عن المألوف لتأتي بعدد محدود من النواب خارج المنظومة العتيدة، فإن ما يلوح في الأفق لا يبشر بدور تغييري لنواب التغيير الذين ما زالوا يتخبطون وكأن لكل منهم مشروعه الخاص. 

من الدول حديثة العهد بالممارسة الديمقراطية، ليبيا والعراق، وكل منهما تعيش في حالة من الفراغ الذي لا يختلف كثيراً عن الفراغ اللبناني، لم يفرز سوى مشاكل اجتماعية طاحنة وانهيارات اقتصادية متتالية أمام العجز السياسي الذي تعيشه الدولتان في ظل سيطرة حفنة من السياسيين على القرار وارتهان معظمهم لإرادة الخارج، واختطاف الإرادة الشعبية واستخدامها وسيلة لتسيير مصالح هذه الحفنة من دون النظر إلى معاناة الشعبين، والتي وصلت إلى حد الحرمان من أبسط الحقوق مثل المياه والكهرباء التي تنقطع معظم ساعات اليوم، وذلك على الرغم من أن الدولتين كانتا قبل سنوات معدودة، من دول الوفرة الاقتصادية والثراء في الموارد الطبيعية والنفطية. 

الديمقراطية تنقل العراق من أزمة إلى أزمة، وهو ما دفع الناس للثورة على نظام المحاصّة الطائفية والولاء للخارج في أكتوبر/تشرين الأول 2019، وفي أكتوبر الماضي أجريت انتخابات برلمانية غيّرت من ملامح البرلمان، ولكن مراكز القوى السياسية لم ترضخ للإرادة الشعبية ولنتائج الممارسة الديمقراطية، وعجز البرلمان المنتخب عن التوافق لا على رئيس للحكومة ولا على رئيس للدولة، ودخلت الأطراف السياسية الفائزة في الانتخابات في مشاحنات أدخلت الدولة في فراغ، وهو ما دفع الكتلة الأكبر في البرلمان إلى الاستقالة الجماعية رفضاً لممارسات شركاء الوطن، واستعداداً للمواجهة بأساليب غير ديمقراطية، بعد أن عجزت الديمقراطية عن تسيير شؤون الدولة. 

الأحدث عهداً بالممارسة الديمقراطية هي ليبيا، التي لم تجن من هذا المسار سوى أزمات تلو أخرى، لتصبح دولة تخضع لديمقراطية المحاصّة القبلية والمناطقية والارتهان للخارج، وكانت النتيجة حكومتين تتصارعان وبرلماناً عاجزاً عن فرض إرادته، ومجلساً أعلى ومجلساً رئاسياً لكل منهما أجندته، وانصرافاً كاملاً عن تسيير أمور الليبيين، مما دفعهم للجوء إلى التظاهر تعبيراً عن الغضب الذي آلت إليه أوضاعهم، ورفضاً لمختطفي الدولة من الطبقة السياسية والميليشيات المسلحة والمرتزقة، لتعود ليبيا إلى نقطة الصفر، بعد أن سيطرت الضبابية على الحاضر، ليصبح مستقبل الدولة والشعب على كف عفريت. 

الديمقراطية لا تُفرز دائماً أنظمة صالحة للحكم؛ بل قد تكون سبباً جوهرياً للأزمات الجماعية التي يعيشها العالم حالياً.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"