آبي.. رجل الدولة الياباني

00:45 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمد خليفة

تتعدد دلالات الموت، ذلك الخطر الذي نخشى معايشته في كل لحظة، على الرغم من أن إدراك ذلك الخطر يسمو بالإنسان لرؤية قدره ومصيره من دون أن يأبه له، وإنما يستعد له بالحضور لارتباط الموت بالحقيقة، وهي اللحظة التي كانت الحقيقة فيها أكبر من أن تغيب،أو تتأخر.

 لقد انطلقت الرصاصة القاتلة إلى صدر شينزو آبي، كما انطلقت مئات من رصاصات الغدر إلى صدور العديد من الزعماء والقادة وذوي الشأن في العالم على مرّ السنين. وتختلف وسائل الغدر، ولكن العاقبة واحدة، إزهاق روح بغير حق، والمحصلة يصبح العالم ساحة للصراع بديلاً عن الحوار والتعايش.

 إن ما حدث في اليابان جعل العالم يعيش في حالة من الذهول والصدمة، عندما تابع العالم بالصوت والصورة لحظة اغتيال رئيس وزراء اليابان السابق، شينزو آبي، يوم الجمعة الماضي. لقد جاءت وفاته فاجعة بكل المقاييس، لا يستطيع الوجدان البشري تحمّلها، فقد كان نموذجاً نادراً من القادة، كان صديقاً حقيقياً لدولة الإمارات، حيث أسهم بدور فاعل في ترسيخ العلاقات بين البلدين، ما جعلها تشهد في عهده تطوراً وازدهاراً لم يسبق له مثيل على كل المستويات. لقد ترك رئيس الوزراء السابق تاريخاً حافلاً من الزيارات العديدة إلى دولة الإمارات، وخلال إحدى تلك الزيارات الفريدة ألقى محاضرة في أبوظبي، كشف فيها خطابه الفكري عن فلسفته ونظرته للعلم والمنظور الأيديولوجي وبديناميات جديدة، وهو استخدام العقل التكنولوجي مفهوماً جامعاً لإعادة النظر في المنتوجات الفكرية الاقتصادية، ومما قاله في تلك المحاضرة: «كلما حصل تضارب بين القيم والضرورة تعيّن على السياسة الخارجية أن تبادر بتحديد ما يمثل المصلحة الحيوية» أي: عليها بتعبير آخر، أن ترصد ما قد يطرأ على السياق الدولي فيهدد الأمن القومي. وهذا هو الذي يتعين التصدي له مهما كان حجم ضريبة التصدي كبيراً.

 لقد هزّت هذه الجريمة المجتمع الياباني، لأنها تمثل عنفاً غير مألوف بالنسبة إليهم، خاصة عبر استخدام سلاح ناري، ذلك أن الأسلحة النارية نادرة الوجود في المجتمع الياباني، لأن الدولة حازمة جداً في منع المواطنين من امتلاك السلاح. لكن تلك الجريمة البشعة فتحت باب التساؤلات حول الأهداف والدوافع التي حدت بالمجرم ليقوم بجريمته تلك. إنه الإرهاب الذي يحمل التطرف الفكري، وهو ظاهرة طارئة على المجتمع الياباني الذي يعتبر من أكثر شعوب العالم تسامحاً، حيث يشكل هذا الفعل تهديداً خطيراً للأمن والاستقرار، ويعتبر من أخطر القضايا اليوم، وأكثر تعقيداً وتركيباً، إذ يقوم على العنف، والقتل الذي يتغذى بواسطة شبكة واسعة من المواقف النفسية والثقافية والقناعات التي تسعى لإعطائها زخماً للحقد والقتل والتدمير. ورغم أن بيان الشرطة قال إن الفاعل أقدم على ارتكاب جريمته، لأن رئيس الوزراء السابق ينتمي إلى منظمة لم يسمّها، ذلك أن شينزو آبي كان يعد نفسه للعودة إلى الحكم، وله مناصرون وحلفاء داخل الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه، وكان يتميز بكونه قومياً متطرفاً يسعى إلى إعادة مجد واستقلال اليابان، وإعادة وجودها كدولة فاعلة في الشرق الأقصى والعالم، لكن هذه التوجهات قد لا تبدو مناسبة لأطراف داخلية وخارجية، خصوصاً بعد انقسام العالم وظهور ملامح لتغييرات عميقة على الساحة الدولية، وقد تجسد ذلك في الحرب الصامتة المفتوحة بين الغرب من جهة، وبين روسيا والصين من جهة أخرى. ومن هنا، فإن عملية اغتيال شينزو آبي ليست مجرد جريمة بسيطة من قاتل ليس له هدف من جريمته، بل هي جريمة دُبّرت بعناية للخلاص من قائد حقيقي، وليس مجرد رئيس وزراء سابق كان يشغل منصباً تنفيذياً.

 رحل آبي، ولكن أعماله لم ترحل معه؛ بل ستظل باقية تُخلد ذكراه كواحد من أعظم قادة اليابان في التاريخ الحديث، ولن ينسى له التاريخ ذلك، بل سيكتب التاريخ الإنساني العالمي في سجله، بأحرف من نور، سيرة هذا القائد قامة شامخة اعتزازاً بمواقفه السياسية والفكرية والإنسانية والاقتصادية.

 فلترقد بسلام أيها القائد، لقد أديت ما عليك تجاه وطنك، وتجاه إنسانيتك، وليتجرع مغتالوك حسرة القهر والعار التي ستطالهم، عار لن يمحوه الزمن، بل سيبقى نقطة سوداء في تاريخ الحقد والخيانة على مر الزمن.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"