سبعينية ثورة يوليو.. الأيام الأخيرة للملك!

00:28 صباحا
قراءة 4 دقائق

عبدالله السناوي

خطر للمؤلف المسرحي والسيناريست الكبير الراحل «محفوظ عبدالرحمن» ذات يوم بعيد أن يكتب قصة الأيام الأخيرة للملك «فاروق» من 18 حتى 26 يوليو (1952) في مسلسل تلفزيوني طويل، حيث تتفاعل مشاعر وتضطرب أوضاع وتتغير دول.

 من دواعي الدراما في تلك الأيام المتقلبة، أن الملك فكّر في «انقلاب أبيض» يعلن بعده «دكتاتورية عسكرية» تحكم بمراسيم لها قوة القانون وتأجيل أية انتخابات برلمانية إلى أجل غير مسمى  كما تكشف البرقيات البريطانية.

 أجهضت حركة «الضباط الأحرار» تفكيره وسبقته قبل أن تذهب به إلى المنفى.

في لحظة تصدّع النظام الملكي قبل سبعين سنة بالضبط تبدت قدرات جمال عبدالناصر على إدارة المواقف الحرجة.

 أطاح الحكومة ولم يكن يستهدف ذلك في البداية عندما رآها تترنح أمامه.

وأطاح الملك الذي لم يكن مخططاً مسبقاً عندما رآه يتهاوى أمام نظره.

 هناك قصة- أوردها الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه الوثائقي «سقوط نظام»، تكشف طبيعة الموقف المضطرب، وكيف أديرت حساباته المتغيرة وحجم الدور الذي لعبه عبدالناصر.

 في اللحظات الأولى للحركة قبل أن تعلن بيانها الأول سأل رئيس الوزراء نجيب الهلالي، الذي تمكن من الوصول هاتفياً إلى الصحفي الشاب الموجود في مقر القيادة بغريزة الصحافة: «هل تستطيع سؤالهم إذا كانوا يريدون من الوزارة أن تستقيل؟».

التفت هيكل إلى اللواء محمد نجيب ناقلاً السؤال فظهرت الحيرة على ملامحه من مفاجأة سؤال لم ينتظره، وتولى عبدالناصر الإجابة قائلاً: «له حق.. الأفضل أن تستقيل الوزارة».

 «حاولت أن أتدخل برأيي لأول مرة فقلت ما معناه إن الهلالي رجل نزيه وقدير، وهو بالكاد عاد أمس الأول إلى رئاسة الوزارة بعد موقعة هائلة من أجل التطهير».

رد عبدالناصر بما مؤداه: «إن ذلك خارج الموضوع.. قل له إن ذلك طلبنا، وقد وفّر علينا أن نحرجه بأن نطلبه منه».

 قلت للأستاذ هيكل والحوار يستفيض حول تلك القصة ودلالاتها: «إنها مؤسسة لما بعدها، كان يمكن ليوليو أن تأخذ مساراً آخر لولا ما أبداه عبدالناصر من قدرة على اتخاذ القرار في لحظته، فلم يكن هناك وقت للتفكير، والصباح يوشك أن يطل على بلد جرت فيه حركة عسكرية».

 قال: «أردت أن أقول إنه رجل مختلف وقدراته غير عادية منذ اليوم الأول الذي ظهر فيه على المسرح السياسي».

 لم تكن الحركة مفاجئة تماماً، فقد كان الجو العام يشي بأن شيئاً ما داخل الجيش يمكن أن يحدث ف«هناك سخط منتشر بالجيش، ومن المحتمل أن يفضي إلى عملية من نوع ما»- حسب برقية الوزير البريطاني المفوض في القاهرة «مايكل كرسويل» إلى وزير خارجيته «أنتوني أيدين» يوم الأحد 20 يوليو (1952).

 في برقية أخرى أرسلت اليوم التالي إلى هيئة أركان الحرب الإمبراطورية في لندن: «المعلومات التي لدينا أن هناك توتراً على نطاق واسع في الوحدات العسكرية المصرية واحتمالات العصيان واردة».

 كان نجاح الحركة في صبيحة 23 يوليو ملغماً باحتمال تدخل القوات البريطانية، التي تبلغ 120 ألف جندي في معسكرات قناة السويس لإجهاضها. 

 بحكم الوثائق البريطانية كانت هناك خطة جاهزة يطلق عليها «روديو» لاحتلال القاهرة والدلتا والإسكندرية لدى أي طارئ مفاجئ وجرى الاستعداد لتنفيذها.

 بحكم نفس الوثائق فإن الملك فاروق طلب التدخل العسكري البريطاني لإجهاض التمرد عليه على نحو ما فعله عمه الخديوي توفيق عام 1882، لكنه لم يتلق إجابة.

بدا فاروق مذعوراً- وفق برقية للسفير الأمريكي «جيفرسون كافري»، الذي أخذ يهدئه دون جدوى.

 لم تكن هناك أية معلومات لها قيمة عن توجهات الحركة، ولا من يمسكون بزمام الموقف فتبدت تناقضات في الاستنتاجات والتصرفات. بقوة الوثائق الدامغة فإن أي حديث عن صلة ما ربطت «الضباط الأحرار» بالاستخبارات الأمريكية محض كلام فارغ.

 غابت بالكامل أية إشارات إلى عبدالناصر، أو أي أحد آخر من مجلس القيادة باستثناء أنور السادات، الذي كان وجهاً معروفاً بعد محاكمته في قضية مقتل أمين عثمان، واللواء نجيب، الذي صدر البيان الأول باسمه.

 جرت اتصالات لضبط ردات فعل البريطانيين، ولم يكن الأمريكيون في وضع يسمح لهم بتقدير موقف على قاعدة معلومات واضحة.

 شهدت تلك الفترة إقالة وزارة «الوفد» برئاسة مصطفى النحاس، وتولي علي ماهر مقاليدها، ثم جاء الملك بنجيب الهلالي بعد شهر واحد قبل أن يقيله هو الآخر في ظروف مريبة بصفقة مالية بلغت مليون جنيه، دفعها أحمد عبود وسجلتها برقيات السفارة البريطانية، ثم كلف حسين سري بحكومة رابعة قبل أن يعود للهلالي، لكن حكومته لم تتمكن من الاجتماع، فقد أطاحت يوليو اللعبة كلها.

 جرى ذلك كله في أقل من سبعة أشهر. بدا أن كل شيء يؤذن بالمغيب قبل أن تحل النهاية وتطوى صفحة حكم أسرة محمد علي.

 وصف الأستاذ أحمد بهاء الدين المشهد الأخير لفاروق بالتفصيل وختمه بالعبارة التالية: «.. وتحركت المحروسة إلى عرض البحر.. والشمس تغرب.. وقال الذين سافروا معه.. إنه دخل مباشرة إلى حجرته.. وأخذ يبكي بكاء حاراً، طويلاً، مسموعاً.. ندم على خطايا وآثام لا تغسلها مياه البحر ولا يطمسها ظلال الليل الذي أطبق على المركب».

 كان هناك اتجاه قوي لدى عدد من ضباط القيادة لإعدام الملك، اعترض عبدالناصر، وفي ذاكرته الحكمة التي انطوت عليها رواية «قصة مدينتين» ل«تشارلز ديكنز» من أن الدم يجلب الدم.

 عندما سقط الملك، صعد رجل آخر إلى المسرح السياسي ليغير وجه التاريخ في مصر وعالمها العربي.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"