صراع على عرش الكوكب

00:25 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

عندما يدير الكبيران ظهريهما لبعضهما بعضاً، فهو نذير بأن المستقبل أسوأ من الحاضر والماضي، وعندما يكون هذان الكبيران هما الولايات المتحدة وروسيا، فإن السيئ القادم ستمتد آثاره على شعوب العالم المختلفة التي يوالي بعضها هذا، ويوالي بعضها الآخر ذاك، ولن تنجو من المصير المنتظر الدول التي قررت عدم الانحياز، بعد أن تجاوز العالم كونه قرية صغيرة يتأثر جميع سكانها بما يحدث في أي من أطرافها، وأصبح سفينة تبحر بالبشرية في بحر متلاطم الأمواج، وإما أن تغرق بالجميع، وإما تنجو بمن عليها، ولعل أزمتَي كورونا والحرب الروسية الأوكرانية خير دليل. 

 وبعد ما يقرب من خمسة أشهر على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وانقطاع التواصل الأمريكي الروسي بسببها، كان الأمل في قمة وزراء خارجية العشرين التي انعقدت مؤخراً، في مدينة بالي الإندونيسية، والتي حضرها العشرون الكبار في العالم وعلى رأسهم الطرفان الفاعلان في الصراع الروسي الأوكراني، كان الأمل أن تكون هذه القمة فرصة للقاء والحوار وتليين المواقف المتصلبة بهدف وضع نهاية لهذه الحرب التي نالت من جميع سكان الأرض، وأشعلت أزمات غذائية، ودمرت اقتصادات دول، وحركت جماهير في دول مختلفة للتظاهر ضد حكوماتها، وأسقطت أنظمة، وستسقط أخرى، ولكن ما حدث قتل الأمل، ورفع حدة التوتر وأشاع اليأس والإحباط لدى مليارات الكوكب الثمانية. 

 جمعت مدينة واحدة، بل وقاعة واحدة، وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، ووزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، ولكن ليتها ما جمعتهما، فكل منهما أدار ظهره للآخر، ولو تلاقت العيون فقد كانت النظرات شزراً، وتعبيرات وجهيهما ووجوه أعضاء الوفدين المرافقين كلها غضب، وتحدث الدبلوماسيون لغة غير دبلوماسية، لغة لا تخلو من التهديد والوعيد بالويل والثبور وعظائم الأمور، وبعد أن كانت مهمة الدبلوماسية في العالم تقريب وجهات النظر والجلوس على مائدة واحدة للتفاوض، أصبحت مهمتها توجيه الإنذارات، وسعي طرف لعزل الآخر عالمياً، لينعكس التوتر الروسي الأمريكي على القمة، فتنتهي بلا بيان رسمي، وبلا صورة تجمع المشاركين وتمنح أملاً، ولو كاذباً، للمتابعين لها في مختلف أنحاء العالم. 

 الغريب أن القمة عقدت تحت شعار «نتعافى معاً نتعافى بقوة»، وبذلت إندونيسيا المضيفة لها كل الجهود للخروج بقرارات وتوصيات تضع نهاية للأزمات التي تهدد الاستقرار العالمي، وعلى رأسها حصار الحبوب والمواد الغذائية والحرب الروسية الأوكرانية، ولكن جاءت النتيجة بلا أي علاج يضمن التعافي للكيان العالمي، بل تزيد آلامه وتضاعف أوجاعه، وكلما تأخر هذا الوقت كلما كان العلاج صعباً، والدواء مراً على الجميع. 

 ولأن الناس يبحثون عن بصيص أمل ينقذهم من الواقع المتردي الذي تعيشه البشرية حالياً، تتجه الأنظار من اليوم لقمة زعماء العشرين التي ستنعقد في المدينة نفسها في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، علّها تكون المنقذ، ولكن من يتابع تصريحات الرئيسين، الروسي والأمريكي، يفقد الأمل، ويدرك أن القمة المنتظرة قد تكون نسخة طبق الأصل عن اجتماع الوزراء، فالرئيس الأمريكي، جو بايدن، أعلن خلال قمتي «السبع» في ألمانيا، و«الناتو» في إسبانيا، أن أمريكا لن تسمح لروسيا بالانتصار، وتعهد مدّ أوكرانيا بكل ما يلزم من سلاح وعتاد، والرئيس بوتين أعلن مراراً أن عمليات جيش بلاده في أوكرانيا لن تتوقف إلا بعد تحقيق أهدافها، وتزامناً مع اجتماعات العشرين كان تصريحه المزلزل «لم نبدأ العمليات الكبرى بعد في أوكرانيا»، للدلالة على أن كل ما حدث خلال الأشهر الخمسة الماضية كان مجرد نزهة للجيش الروسي في المدن الأوكرانية، وأن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد، بجانب التلويح مراراً باستخدام النووي في حال خنق روسيا، والبعض يلتمس له العذر في ذلك، فمن يتجمع ضده عدد من الدول لخنقه لا بد أن يقاوم مستخدماً كل المتاح أمامه دفاعاً عن حياته، وعن وجوده. 

 وبجانب الحرب العسكرية، تزداد الحرب الدبلوماسية اشتعالاً، وتقتل حرب التصريحات الأمل، وتخنق الحرب الاقتصادية الشعوب وتهدد استقرار الحكومات. 

 ليست حرباً واحدة، بل حروب عدة في إطار الصراع على عرش العالم، يسعى أحد أطرافها لاستعادة إمبراطوريته التي كانت، في حين يسعى الثاني لأخذ موقعه، وليس ببعيد عما يعمل الطرف الثالث الذي يراقب ويخطط من دون جلبة للوصول إلى هذا العرش.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"