قصتك مع الوطن

00:06 صباحا
قراءة دقيقتين

قبل أيام، ولمدة أسبوع كان لي شرف أن أضغط على «زرّ» جداً خاص، زرٌّ كلما ضغطته كنت ارتجف بداخلي، ليس خوفاً بل شرفاً وفخراً، زرٌّ يأتي بعده المناداة باسم «دولة الإمارات- دورك»..! نعم شرف المسؤولية جميل، وحلم في آن واحد، أن تكون في كرسي ليس لك؛ بل لدولتك هو نعمة من السماء أغدقها الله عليك، وامتنان لقائد وثق بك، علمك وتوكل بعد الله عليك بأن تحسن الأداء وتكون صورة وهوية مشرفة لما تحمله من أمانة مغلفة بحب حقيقي غير مشروط.
كلما كتبت عن الوطن فإني أسير باتجاه غريب في المشاعر، في رحلة العمر الطويلة منذ كنا أطفالاً لم نشعر بما يشعر به اليوم الكثيرون في العالم من تشرد وجوع، برد وقهر، دمع وحزن، فقد وارتقاب، نكبر فنجد أننا استمتعنا بحياتنا بكل ما كان فيها يومها، لم نشعر يوماً بخوف من الحرب أو انقطاع في الكهرباء أو نقص في الغذاء وكبرنا، حتى صارت الجامعات خيارات متعددة أمامنا، وتخصصات لا حصر لها واستعداد بأن تكمل صوت العلم لأعلى المستويات، وكبرنا.. توظفنا حتى ما اخترنا الحياد عن المألوف واختيار الصعب كضرب من الجنون في بداية القصة، نخبر تلك النفس المترددة، هناك تضحيات، تعلّم مستمر، صبر، تجلٍّ في النفس، ترويضها، لتصبح صورة مغايرة منتزعة أي شوائب في القيم والأخلاق، في الحديث والفعل. وكبرنا أكثر حتى حملنا اسم الوطن قبل الشعار وساماً على الصدر، مسؤولية أن نكون أهلاً لهذا الاسم، وصورة إنسانية في تفاصيلها، وقصة تحدٍّ تروي للأجيال القادمة معاناتها فقط لأن الوطن يستحق.
ويبقى السؤال: هل من مفر من كل هذا الحب؟ قد ترسو السفينة المبحرة يوماً، تودعك لكنّ التاريخ يبقى، يحملك معه كلما كنت صادقاً في عطائك، متفانياً في إخلاصك، حريصاً رقيباً على نفسك فأنت لست رمزاً لعائلتك فقط بل لمجتمع بأسره، كل الأشياء تزول وتنتهي، المناصب، المسميات، التعريفات، والسير الطويلة، وتبقى قصتك، مع نفسك، وطنك، الأناس حولك، تأثيرك، تجربتهم معك وتعاطيك مع كل فرد دونما استخفاف وتقليل من شأن، تبقى الكفاءة في أن تكون أهلاً لكل كرسي، وكل مكان وقبل المكان، أهلاً لأن تعود يومك ويذكرك الناس بأجمل المسميات «ابن الوطن، ابن الإمارات».
الحديث يصمت بين يدي، وتعينني بعض المفردات حتى أستمر في احتواء مشاعر الاعتزاز لأكتبها بصدق، لم أجد يوماً أنني حتى هذه اللحظة كتبت الحقيقة كاملة، لكنها مجرد بدايات في السرد والحب ومنظومة الامتنان التي لا تنتهي، فكل من علمنا، وكل من كتبنا معه، وكل من تحملنا وصار معنا في طريق ليست سهلة، أقول في انبهاري هذا: بعض البذور تذبل لكنّ بذرة الحب والثقة تبقى دهوراً.

[email protected]

عن الكاتب

مؤلفة إماراتية وكاتبة عمود أسبوعي في جريدة الخليج، وهي أول إماراتية وعربية تمتهن هندسة البيئة في الطيران المدني منذ عام 2006، ومؤسس التخصص في الدولة، ورئيس مفاوضي ملف تغير المناخ لقطاع الطيران منذ عام 2011

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"