تونس وتحديات ما بعد الاستفتاء

00:34 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. محمد السعيد إدريس

كان يوم الاثنين الفائت يوماً فارقاً بالنسبة للعملية السياسية في تونس، التي ما زالت تفاعلاتها ممتدة منذ الثورة الشعبية التي أسقطت نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي عام 2011.

 وإذا كانت الفترة من عام 2014 التي شهدت إقرار دستور جديد للبلاد يعتمد النظام البرلماني المعدل أو المختلط بديلاً عن النظام الرئاسي السابق، فإن الفترة من عام 2014 وحتى يوم الاثنين الفائت الذي استُفتي فيه الشعب التونسي على دستور جديد، قد شهدت هي الأخرى ديكتاتورية من نوع آخر حيث سيطرت «حركة النهضة الإسلامية» على مقاليد السلطة على النحو الذي تكشف بوضوح بعد وصول رئيس جديد للدولة هو الرئيس قيس سعيّد في انتخابات عام 2019 الرئاسية. فقد عملت حركة النهضة على تعزيز صلاحيات رئيس الحكومة على حساب صلاحيات رئيس الجمهورية، ونازع رئيس البرلمان راشد الغنوشي (رئيس حركة النهضة) رئيس الجمهورية في اختصاصاته. والآن يبدأ عهد سياسي جديد بعد تصويت الشعب في الاستفتاء ب «نعم» بأكثرية تزيد على 94%، الأمر الذي أخذ يطرح تساؤلات كثيرة في ظل دستور «رئاسي» يعطي لرئيس الجمهورية سلطات يمكن أن توصف بأنها «طاغية» على حساب السلطتين التشريعية والقضائية، فسلطات رئيس الجمهورية لم تعد تقتصر على صلاحيات الدفاع والخارجية على نحو ما كانت في دستور 2014، بل توسعت لتشمل اختصاصات تعيين الحكومة والقضاة، وتقليص النفوذ السابق للبرلمان، كما أصبح لرئيس الجمهورية حق تعيين رئيس الحكومة وإقالته وليس البرلمان على نحو ما كان في دستور 2014، وله الحق أيضاً في تعيين الوزراء باقتراح من رئيس الحكومة، وأصبح للرئيس الذي يتولى منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة صلاحيات ضبط السياسة العامة للدولة وتحديد اختياراتها الأساسية، ولم يتضمن الدستور بنوداً لإقالة الرئيس خلافاً لما جاء في دستور 2014، الذي أصبح من اختصاصاته أيضاً تعيين القضاة إثر تقديم ترشيحاتهم من جانب المجلس الأعلى للقضاء، الأمر الذي اعتبره عدد كبير من القضاة «تدخلاً في استقلال القضاء».

 هذه المميزات التي يتمتع بها رئيس الجمهورية في الدستور الجديد تطرح الكثير من علامات الاستفهام والأسئلة حول مستقبل العملية السياسية في تونس، على ضوء الكثير من الاعتبارات المهمة. منها الأزمة المتفجرة منذ أشهر مضت بين القضاة والرئيس بسبب إعفاء عدد كبير منهم من الخدمة لصلتهم بالفساد، ومنها نسبة التصويت المتدنية جداً على الدستور التي أعطت للمعارضين فرصة الطعن في نزاهته والمطالبة بإسقاطه.

 مثل هذه الملاحظات تعطي للمعارضة فرصة في التشكيك في الدستور الجديد الذي جرى الاستفتاء عليه في ذكرى إعلان الجمهورية التونسية. فإذا كان الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو المركزية النقابية وأكبر المنظمات في تونس وأهمها قد أعلن رفضه المشاركة في الحوار الوطني الذي اقترحه الرئيس قيس سعيّد من أجل «جمهورية جديدة» معتبراً أنه «حوار شكلي ويقصي القوى المدنية»، مع أن لأعضائه حرية التصويت بنعم أو لا على الدستور، ما يعني تفريغ القوة السياسية في البلاد من أهم فعالياتها ومرتكزاتها، فإن أحزاب المعارضة، وعلى رأسها بالطبع حزب «حركة النهضة» التي تعتبر إجراءات الرئيس منذ 25 يوليو/ تموز 2021 «انقلاباً»، ترفض الاستفتاء ونتائجه، لكن نتائج الاستفتاء تؤكد توق التونسيين إلى التغيير وإخراج تونس من عباءة «حركة النهضة» وحلفائها.

 في ظل مثل هذا المناخ شديد التعقيد كيف يسير الرئيس بن سعيّد بالبلاد، وما هي خطواته بالنسبة للانتخابات البرلمانية المقررة في 17 ديسمبر/ كانون أول القادم، وكذلك بالنسبة لوضعه كرئيس للجمهورية، هل سيظل يحكم لحين اكتمال مدة ولايته التي بدأت عام 2019 وتمتد لخمسة سنوات، ومع انتخاب برلمان جديد، أم سيقرر التبكير بانتخابات رئاسية قد تتزامن مع الانتخابات البرلمانية؟

 الوضع القانوني والطبيعي بعد الاستفتاء ب «نعم» على مشروع الدستور الجديد هو أن يتبع اعتماد الدستور الجديد الإعلان عن انتخابات رئاسية، لأنه إذا قرر الرئيس إكمال مدته الرئاسية معتمداً على دستور 2014 فإنه يكون قد سمح لنفسه البقاء في المنصب فترة أطول مما هو مسموح له قانوناً.. تساؤلات واستفسارات كثيرة تكشف مدى جدية التحديات التي تواجه تونس في عهدها الجديد.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"