الأحلام المزعجة في رأس العالم

00:11 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. نسيم الخوري

تحت عنوان «القرن الواحد والعشرين سيكون قرن الأديان»، قال المفكّر الفرنسي أندريه مارلو (1901-1976) في ال1955: «لا أستبعد إمكانية حدوث يقظة دينية لا على مستوى البلاد الإسلامية، وحسب، بل على مستوى الكرة الأرضية. وسيكون القرن الواحد والعشرين قرن الأديان والصراعات الدينية، وسيستخدم الغرب والشرق الترسانات الأيديولوجية أسلحة فعّالة بين يديه، خصوصاً في الدول الإسلامية والشرق الأوسط، الفقيرة منها والغنية، إذ لكل بلد هويّة وفقاً لظروفه أو تناقضاته السوسيولوجية وتكويناته الدينية والإثنية».

 جذب مارلو الشباب بما أسماه «جرثومة التغيير»، بعد تسلّمه وزارة الثقافة الفرنسية (1959- 1969) واعتبر مع جان بول سارتر، فيلسوف الوجودية في أساس الفكر التغييري. وهنا نقاط:

1- يرجعني هذا إلى فلسطين ال1948 حتى تقسيمها وبروز فكرة الدولتين المتكررة عبر التاريخ الطويل، بل حتى إعلان يهودية إسرائيل، وصولاً إلى قمّة «الأمن والتنمية» في جدّة (15-16 يوليو/ تموز 2022)، إذ قال الرئيس جو بايدن بالدولتين، مخالفاً قوله في رام الله إنها «فكرة مؤجلة حتى تتهيأ الظروف الملائمة لها». كان جوهر زيارته أنّ أمريكا لن تترك فراغات في الشرق الأوسط لتملأه روسيا والصين وإيران، وكان خارج فكرة «صِدام الحضارات» لصموئيل هنتنغتون، بحروب ما بعد الحرب الباردة التي لن تأتي قومية أو إيديولوجية اقتصادية، بل دينية وثقافية بين الدول الكبرى، وعدّدها بأنها غربيّة كاثوليكية بروتستانية وأمريكية لاتينية ويابانية وصينية وهندية وإسلامية وأرثوذكسية وإفريقية وبوذية.

2- تزامنت قمة طهران وتركيا (19/7/2022)، حول فلاديمير بوتين، لتُعلمنا بأن الصراع على العالم سيتقرّر في الشرق الأوسط، بدءاً من سوريا، وبتسوية الملف النووي مع ايران، مع علمه بأنّ عيناً لتركيا مفتوحة على حليفتها أمريكا لعضويتها في «الناتو»، وعينها الثانية على روسيا خدمة لمصالحها في سوريا والإقليم.

3- صحيح أنّ الصراع الديني والمذهبي قد يقوى، ويتراجع، لكن جذوره القوية تعود لاجتياح الروس لأفغانستان (27/12/1979) وسقوط الشاه، وعودة الخميني من باريس نحو طهران (1/2/1979) بالثورة الإسلامية، ثمّ جاءت الحرب الإيرانية العراقية (22/9/1980)، ثمّ حصل غزو صدّام حسين للكويت (2/8/1990) وعاصفة الصحراء (16/1/1991)، وصولاً إلى سقوط البرجين (11/9/2002)، وما راكم خلفه من أحداث تطبيقاً للقرار الدولي 1337 القاضي بمكافحة الإرهاب كعنوان دولي جاء صدى للحرب الأمريكية في أفغانستان ( 7/9/ 2001)، أو الحرب الأفغانية، أو الحرب الإنجليزية الأفغانية الرابعة المسماة حركيّاً بين ال2001 وال2014 «الحرب الباقية»، والتي عُرفت منذ ال2015 حتّى الانسحاب الأمريكي المفاجئ الأخير بعملية «حارس الحرية».

 وكانت النتيجة: عندما تتلفظ بالإرهاب يدرك السامع أن المقصود هم المسلمون «الأحلام المزعجة في رأس العالم».

4- الاعتبار الثالث الأكثر دقّة والأدنى وعياً في الصراعات الدولية والاصطفافات الدينية والمذهبية جاءت عبر فصول ما يسمى «الربيع العربي» لتعيد محاولات هندسات النظام العالمي الجديد عبر تعقيدات الشرق الأوسط، في عصر محكوم بالانفتاح والتواصل العارم وسقوط الحواجز والحجب والصراعات الحزبية والشعبية والمذهبية.

 ويمكنني الجزم بيقظة العرب والمسلمين لمخاطر الصراعات المذهبية كعوائق في التغيير والتقدم، ولو بالتفكير باستراتيجيات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان الذي لم يأتِ تزكية لشعار دونالد ترامب: «أمريكا أوّلاً»، بقدر ما هو للتحفّز نحو إبقاء العالم، خصوصاً الشرق الأوسط بقعة التغيير المغرية الملبّدة ببث القلق ورعايته في الشرق الأقصى وبين الشرق والغرب المشغولين بقلق الحروب الروسية الأوكرانية وتحدّياتها المبشّرة بالجوع والبرد القارص.

 أمّا الصراعات الآتية للتنقيب مستقبلاً عن بقايا ثروات الغاز والنفط للصعود بها عبر القطب المتجمّد الشمالي بعد نسف بقايا جليده وفتحه ممرات عبور نحو الدنمارك فمؤجّلة قطعاً بما يجعل دول العالم تعزف مجدداً نغمة الاصطفاف القديم الجديد بين شرق وغرب.

 وللتذكير نقول إن الأزمات الدولية الكبرى لم تحصل بعد سقوط جدار برلين (9/10/1989) كما يترسّخ في الأذهان، بل مع انهيارات الأنظمة الشمولية في جنوبي أوروبا وأمريكا اللاتينية وشرقي آسيا وإفريقيا وحبل الانهيارات أمامنا.

5- لسنا،، ولم نكن إذن في قرن الدين لأن الأديان والمذاهب تُسخّر على الدوام لفتح معابر الأمم الكبرى وفي ما بينها نحو تحقيق شهواتها الاستثمارية، وأقصد بالأديان بصفاتها أقنعة سياسية متنوعة وضرورية وجاذبة لحروب الدول والأنظمة المسيطرة المتشبّثة بمصالحها في مناطق العالم.

[email protected]

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم الإنسانية، ودكتوراه في الإعلام السياسي ( جامعة السوربون) .. أستاذ العلوم السياسية والإعلامية في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية ومدير سابق لكلية الإعلام فيها.. له 27 مؤلفاً وعشرات الدراسات والمحاضرات..

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"