تونس الجديدة

00:30 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

قال التونسيون كلمتهم، قالوا «نعم» لدستور جديد ينقل الدولة التونسية من عصر الانفلات إلى عصر الانضباط، ومن عصر الرئاسات الثلاث والتصارع باسم السلطة إلى عصر الرئاسة الواحدة صاحبة القرار وحاملة المسؤولية، من نظام برلماني يفتت السلطات لم يعتده الشعب من قبل، إلى نظام رئاسي اعتاده الشعب ويمكّنه من محاسبة الرئيس عند الخطأ والتصفيق له عند الإنجاز. من نظام ضاعف مشاكل الناس وأغرقهم في أزمات متتابعة وحوّل الدولة إلى كيان عاجز أمام الشعب وغير موثوق فيها أمام الدول والمنظمات الدولية، إلى نظام يحمل على عاتقه الانطلاق بالدولة إلى مستقبل الاستقرار والعمل والسعي لغد أفضل. 

 الشعب التونسي لم يقل خلال الاستفتاء فقط «نعم» لدستور وتونس جديدة، ولكنه قال أيضاً «لا» لجماعة الإخوان، ولحركة النهضة الفاشلة في إدارة البرلمان والفاشلة في إدارة الدولة، قال «لا» عالية الصوت لكل من جعل من العقد الماضي عشرية للفوضى والتآمر على مقدرات التونسيين ومحاولة خلق الفتنة بينهم لإلهائهم عن تنفيذ المخطط الذي يحاك لهم وللأمة العربية غير الخريف العربي الذي لم يخلّف سوى خراب اقتصادي وعجز سياسي ولهو اجتماعي. «نعم» التونسية كانت «لا» اللافظة لكل ما هو إخواني، والرافضة لكل من يتاجر بدين الله للوصول إلى السلطة وتنفيذ مخططات عابرة للحدود وهادمة للدول ومشردة للشعوب، ولتكون المسمار الأخير في نعش الجماعة الإرهابية التي تسللت إلى وجدان قطاع عريض من العرب باسم الدعوة إلى الإسلام المعتدل وهي لا تبغي إسلاماً حقيقياً ولا اعتدالاً ولا خيراً، بل كانت تبغي سلطة وتطرفاً وعنفاً وقتلاً وتخريباً وهدماً. 

 راشد الغنوشي رئيس البرلمان المنحل والمتحكم في تونس منذ ثورة 2011، توهم أنه يفرض رؤساء الحكومات ويعين الوزراء ويتخذ القرارات ويحتضن الإرهاب ويناكف الرئيس، وادعى أنه مختلف عن قيادات الجماعة في مصر وغيرها من البلاد العربية، ولم يكن يدري أن الرئيس قيس سعيّد يملك من الوعي والدهاء السياسي ما يدفعه للصمت بعض الوقت حتى ينكشف الغنوشي وزبانيته أمام التونسيين، وعندما تحقق الهدف وزادت خطايا الغنوشي كانت قرارات سعيّد المتتابعة منذ 25 يوليو 2021 القاضية بإقالة الحكومة والبرلمان وقصقصة أجنحة النهضة وتابعيها في أجهزة الدولة المختلفة، وتكليف القضاء باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة تجاه الخارجين على القانون وكهنة الفساد من السياسيين، وهو ما عرضه للكثير من انتقادات الداخل والخارج، ولكنه أغلق أذنيه وقرر أن يواصل السير بسفينته حتى العبور بالشعب التونسي إلى بر الأمان. 

 الاستفتاء على الدستور هو اقتراب من شاطئ الأمان، والانتخابات البرلمانية المقررة في ديسمبر المقبل ستكون بمثابة الوصول إلى الشاطئ والاستقرار على أرض آمنة تستطيع أن تبدأ السعي لحصاد يدوم للأجيال المتعاقبة، وهو ما لن يتحقق بسهولة ويسر، بل ستواجهه صعاب وستتصدى قوى وستحاول التشكيك في الاستفتاء بدعوى أن نسبة المشاركين فيه قليلة رغم تجاوزها 28 في المئة، وهي نسبة معقولة تحدت دعوات المقاطعة، وقيس سعيّد الذي استطاع تجاوز لغط وجدل العام المنتهي قادر على أن يتجاوز ومعه أحرار تونس اللغط المنتظر والذي لم يتوقف منذ عزل الغنوشي وأتباعه. 

 ما تحقق في تونس لا يسعد التونسيون وحدهم، ولكنه يسعد كل عربي حالم بنهضة هذه الأمة، وساعٍ لاستقرارها، ومتيقن أن ما حِيك لها خلال مؤامرة الخريف العربي كان يستهدف دولها من الخليج إلى المحيط، وأن الفوضى الهدامة التي كانوا يسعون لتحقيقها كانت تستهدف تشريد كل شعوبها، وما أنقذ بعض دولها سوى يقظة شعوبها ووطنية جيوشها ووجود قادة أكفاء بين مواطنيها يدركون أبعاد المؤامرة ويستطيعون؛ بل استطاعوا الخروج بشعوبهم منها بأقل الخسائر الممكنة. 

 ومثلما نشطت وما زالت الجماعة عنفاً وإرهاباً وتشكيكاً في مصر بعد خلع الإخوان ووضعهم خلف القضبان، فإنها لن تصمت تجاه ما يحدث في تونس، وستحاول اللجوء للعنف واختلاق المعارك الداخلية ونشر الفتنة إلكترونياً، ولكن التونسيين الذين صوّتوا ب«نعم» للدستور بنسبة 94٪؜، هم ذاتهم الذين سيحمون دولتهم ويتصدون للمشككين ويحاصرون الإرهاب.

 التونسيون اختاروا المستقبل وصوّتوا ضد الإرهاب، وبإرادتهم ووعيهم سيقتلعون جذوره وسيطهّرون أرضهم من آثاره وبقاياه.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"