عادي

الأجهزة الذكية.. صديقة في الإجازة الصيفية

تحذيرات من مخاطرها على الصحة
00:36 صباحا
قراءة 7 دقائق
تحقيق: جيهان شعيب
دائماً الإسراف في أي أمر ينعكس سلباً ويضر دون أن يفيد، وفي الإجازة الصيفية مع إغلاق المدارس أبوابها، يصادق معظم الطلبة الأجهزة الذكية، وينغمسون فيها، إن لم يكن يتوحدون معها، وهم في ذلك ينعزلون عمن حولهم، وعن الانتباه لمجريات أسرهم، والوعي بما يدور في محيطهم؛ حيث ينسجون مع الأجهزة عوالمهم الخاصة، ويقضون معها معظم إن لم يكن جل أيام عطلتهم، مكتفين بها، ومنفصلين معها عن أي شيء دونها.
إفراط الطلبة في استخدام الأجهزة دون تقنين، أو تحديد وقت محدد لهم من أسرهم في ذلك، مع عدم الانتباه للمخاطر المتعددة التي تنعكس على صحة الأبناء جراء التوحد مع هذه التقنيات، يأتي وبالاً لاحقاً عليهم، ما بين تأثير في سلامة العيون، والعظام، والحالة النفسية، والتحصيل العلمي، وأيضاً الترابط الأسري؛ حيث مع الوقت، تتراجع وتقل كفاءة كثير من أجهزة الجسم، ويضحى الابن من هؤلاء ضحية جهاز إلكتروني لا يفارقه، فقضى على صحيح نظره، وسلامة بدنه، وقوة استيعابه، ويقظة عقله، واندماجه الاجتماعي مع من حوله.
كشفت دراسات علمية عن أن معظم الطلاب الذين يسرفون في استخدام هواتفهم الذكية، يقل معدل تحصيلهم الدراسي، ويفقدون التركيز خلال مراجعة دروسهم العلمية، كما أوضح أطباء من جامعتي جينت وأنت ويرب في بلجيكا، عبر دراسة أجروها، وتضمنت 1889 طالباً، أن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية له تأثير سلبي في عادات النوم عند الطلاب؛ حيث قلل من جودة النوم بنسبة 11%؛ حيث نام المستخدمون للهواتف أقل بـ 12 دقيقة من الأشخاص العاديين.
وأكدت الدراسة أن الطلاب يستيقظون غالباً لرؤية آخر الإشعارات التي جاءت على الهاتف، بما تسمى بظاهرة «الفومو»، وهي الخوف من فقد الشخص لمعلومة، أو حدث بسبب خروجه من المنصة الاجتماعية، كما يؤثر الضوء الصادر من الهاتف أيضاً في هرمونات النوم، فيما توصلت الدراسة إلى أن النوم الجيد يحسن نتيجة الطلاب بنسبة 5 %، وفقاً لما ذكره موقع «ميديكال إكسبريس»، فضلاً عن أن قضاء الأبناء ساعات طويلة دون حركة مع الأجهزة الإلكترونية يؤدي إلى آلام الظهر، وإرهاق العينين، وزيادة الوزن.
نقص النظر
من هنا يقول د. محمد عماد عليلو طبيب أخصائي طب العيون: تعتبر الإجازة الصيفية فرصة ثمينة لطلابنا لكي يستمتعوا بالنشاطات البدنية، والاجتماعية المختلفة، وقد كانت هذه هي الصورة الفعلية عبر سنوات طوال، إلا أن تقدم التقنيات الحديثة، وغزوها كل مجالات الحياة، لاسيما العملية التعليمية، جعل الأبناء يعتمدون عليها بشكل كبير، حتى أصبحت جزءاً لا يتجزأ من واقعهم اليومي، وأضحى من الصعوبة بمكان إقناعهم بالاستغناء عنها في فترة الإجازات، لما توفره من مواد ترفيهية إلكترونية مختلفة.
هذا الواقع بكل تفاصيله أصبح يؤثر بشكل واضح في صحة العيون، وسلامتها، وربما أسهم بشكل غير مباشر، في زيادة نسبة انتشار انكسار النظر؛ حيث أثبتت الدراسات الإحصائية المختلفة، أن نسبة انتشار نقص النظر، لاسيما «حسر البصر» أكبر في المناطق الحضرية، عنها في المناطق الريفية؛ حيث يقضي الطفل وقتاً أطول في البيئة الطبيعية، بعيداً عن نمط الحياة في البيوت، والغرف المغلقة، لذا كان لزاماً على الأهل أن يهتموا بهذه النواحي، ويحصلوا على المعلومات اللازمة، لرعاية صحة أطفالهم بالشكل المناسب.
أعراض مختلفة
وتتجلى ما تسمى بمتلازمة الإجهاد البصري، أو متلازمة شاشة الحاسوب عند الأطفال بمجموعة من الأعراض، قد يظهر بعضها أو جميعها بحسب شدة الإجهاد، وقد لا يكون الابن قادراً على تمييزها بشكل واضح، أو التعبير عما يشعر به بشكل دقيق، لذا على الأهل الانتباه إلى مجموعة من الأعراض العينية، وأهمها احمرار، واحتقان في الملتحمة «غشاء رقيق يغطي بياض العين»، وقد يشكو من الإحساس بالحرقة، والجفاف في العينين،
إلى جانب تشوش متقطع في الرؤية يزداد مساء، وأيضاً حساسية للضوء، لاسيما عند التعرض للهواء، أو الشمس، أو دخول الأماكن المضاءة بشدة، مع إحساس بألم، وثقل في العينين، وصداع بصفات خاصة؛ إذ يستيقظ الطفل مرتاحاً، ويبدأ الألم، والثقل مع تقدم اليوم، وقد لا يشكو الطفل في البداية ليصل إلى ذروته ليلاً، وقبل النوم، وقد تبقى شكوى الطفل مبهمة، عن ألم من نوع ما، دون أن يكون قادراً على تحديد مصدره، أو نوعه.
نصائح واجبة
وعلى الأسر إذا لاحظت على الابن أحد هذه الأعراض، أو قسم منها، فهذا يعني أن هناك خللاً في نمط استعماله للأجهزة الإلكترونية، أو استخدامه المفرط لها، ولابد من تعديلات مهمة في طريقة تعامله مع الأجهزة، وهنا ننصح للحفاظ على صحة العين لدى الأبناء من الشاشات الإلكترونية، بتحديد فترة الجلوس أمامها لفترة قصيرة، تتناسب مع عمر الابن «عادة بين 30-60 دقيقة» يومياً، وأخذ قسط كافٍ من النوم ليلاً، لكي يتاح لعضلات العين الاسترخاء، وتجديد النشاط، ومكافحة جفاف العين باستعمال القطرات العينية المرطبة، إذا رأت الأسرة هناك احمرار و احتقان في عين الابن بعد استعماله لهذه الأجهزة.
ولابد من اختيار موقع مناسب لشاشة الكمبيوتر؛ بحيث تكون على مستوى أفقي موازٍ، أو ينخفض قليلاً عن مستوى الرأس، لتجنب انحناء الرقبة المفرط، على أن يكون بعد الشاشة عن العين بحدود ٧٠-٧٥ سم أو مسافة بطول الذراع تقريباً، والتحكم في ظروف الإضاءة في المكان؛ حيث إن الإضاءة الزائدة تجعل من الصعوبة بمكان العمل على الشاشة، لذا يجب الحرص على تقليل الإضاءة المبهرة، وتجنب وضع الشاشة تحت مصدر الضوء بشكل مباشر، وللحفاظ على وضعية مريحة للجسم يجب أن يكون الظهر بشكل عمودي، ومستند إلى المقعد، مع وضعية مريحة للرقبة.
تشنجات العضلات
وتعد الأضرار التي قد تلحق بالعمود الفقري من الخطورة بمكان؛ حيث حسب د. عمر عبد المحسن أخصائي جراحة المخ والأعصاب والعمود الفقري: الجلوس الطويل دون انتباه، وبوضعيات خاطئة، يؤدي إلى تشنجات في العضلات، وتغير في وضعية العمود الفقري،مما يؤدي إلى آلام في الظهر، والطرفين السفليين، والأهم حدوث مشاكل عديدة في العمود الرقبي، لأن الوضعية الخاطئة تؤدي إلى تشنج، وتأثير في الفقرات، وحدوث انقباضات عصبية في العمود الرقبي، ما يؤدي إلى آلام في الطرفين العلويين، لذلك ننصح بعدم استخدام الأجهزة الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي لفترات طويلة، عدا عند الضرورة، والحاجة، ولفترات متقطعة.
عصبية وتوتر
وعلى صعيد التأثير النفسي أوضحت الاختصاصية النفسية د. غايه الشامسي، أن استخدام الطلبة الأجهزة الذكية بشكل مبالغ فيه، من حيث طول الوقت الذي يقضونها معها، والتركيز الشديد فيها بما يؤدي إلى بذل مجهود ذهني كبير، يعرضهم لمخاطر نفسية عديدة؛ حيث قد يصابون بالتوتر الذهني، والإرهاق العصبي، بما تصبح معه العصبية، والتوتر، والكسل في الحركة، سمة في شخصياتهم، إلى جانب فقدانهم التركيز في الواجبات الحياتية اليومية، والحياة الاجتماعية؛ حيث قد ينعزل الواحد منهم عن المحيطين به، نتيجة اهتمامه باستخدام الأجهزة الذكية، التي يفضلها عمن حوله، مما يجعله غير مدرك للتطورات الاجتماعية، وأيضاً غير مواكب للأفكار، ومتابعة المستجدات، نتيجة الانشغال باستخدام الأجهزة لأوقات طويله، وأحياناً تنتابه لحظات بطء في التفكير، وتراخٍ في استخدام العقل، لأن ارتباطه بالجهاز يصبح شغله الشاغل، مما يعرضه للشعور بالخمول الذهني، والجسدي، لذلك على الآباء والأمهات توجيه الأبناء إلى الاستفادة من أوقاتهم بصوره سليمة، بعيداً عن الأجهزة الذكية، وأن يكونوا قدوة لهم في عدم الإسراف في استخدامها.
السلامة الرقمية
وبالنسبة لدور المدارس في توعية الطلاب لأهمية تقنين استخدام الأجهزة الذكية، قالت التربوية هيام الحمادي: مؤسسة التعليم المدرسي، والمدارس لها دور كبير وفاعل من خلال تطبيق مبادرة السلامة الرقمية؛ حيث من أدوارها الرئيسية بث القيم في نفوس الطلبة، وتعويدهم على البحث من خلال مهاراتهم التقنية العالية، وترسيخ مبادئ السلامة الآمنة، والتي تعنى بالنشء، والتأكيد على القيم، ومراعاة النظم الرقمية، التي تمكنهم من البحث بسلاسة، وأمان، عند التنقل عبر المواقع المختلفة، بما يضمن السلامة الآمنة والحصول على المعلومات البحثية. ونشر التوعية الأمنة، مع تسليح الأبناء بما يضمن أمنهم وسلامتهم، وتطبيق الاحتياطات، واللوائح الأمنية كافة، مع دمجها بالمقررات الدراسية المختلفة، ومواجهة جميع التأثيرات، وتذليل الصعوبات، وخلق فرص إيجابية متجددة والتي تجعل من المتعلم عضواً فعالاً في مدرسته، ومجتمعه، محافظا على ممتلكات دولته، باعتباره اللبنة الأساسية في بناء مجتمع مؤهل، مواجهاً للتحديات العالمية، وملماً بالمهارات التقنية البحثية، ذات النوعية والمتجددة.
مساءلة الأسر
عما إذا كان يمكن أن تخضع الأسر لمساءلة قانونية حال إصابة أي من الأبناء بعرض صحي ناتج عن الإفراط في استخدام الجهاز الذكي دون متابعة وتقنين منها في ذلك، قال المحامي د عبد الله ساحوه: أتصور أنه لا يمكن مساءلة الأسر جزافاً عن إسراف الأبناء في استخدام التقنية بشكل مفرط، علينا أن نحدد ماهي المضار، وماهي البدائل، والحلول المثلى، والوقت المناسب للاستخدام، وطرح نماذج ناجحة للأسر المثالية، التي وضعت استراتيجية في هذا الصدد.
وأتصور بأن هناك جهات معنية قبل ذلك بتوجيه الأسر للحلول المثالية؛ حيث لا يزال الأمر غامضاً عليهم، لذا على هذه الجهات تبيان المضار، وإيجاد البدائل، وتثقيف المجتمع بها، وكتابة التعليمات، ومطالبتهم باتباعها لحفظ الأبناء، لذا فبدلاً من أن نقول يجب وضع تشريع لمساءلة الأسر في حالة إسراف الأبناء في استخدام الأجهزة الذكية، هناك الكثير للقيام به – وكما أسلفنا القول- تثقيفها بسلبيات ومخاطر الاستخدام الطويل لها من قبل الأبناء، وتوضيح المدة المثلى لذلك، وتسهيل البدائل للأبناء.
والحقيقة أن هناك موظفين محتاجين، ومستعدين للقيام بعمل إضافي ببدل نقدي، وهناك باحثين عن وظائف ولو بشكل مؤقت، وهؤلاء يمكن الاستفادة منهم صيفاً في تنظيم دورات مختلفة في مباني المدارس مثالاً، سواء في ركوب الخيل، أو ألعاب الكاراتيه، أو التايكوندو، أو الايكيدو وغيرها، وغير ذلك، ومتابعة الأبناء، والإشراف عليهم خلالها.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"