عادي

وفاء العميمي... مشروع سردي ينضج على مهل

قناديل إماراتية
23:30 مساء
قراءة 5 دقائق
8

في هذه الزاوية، نحتفي بمجموعة من أبرز مبدعينا الذين قدموا لمسات أدبية جمالية وإمتاعية، أثرت الوجدان، وارتقت بذائقة القراء، منحونا زاداً عبّر عن إنجازات الوطن وتحولات المجتمع وهموم البشر، كانوا ذاكرتنا التي تؤرخ للمكان ومدونتنا التي عبرت بصدق وإخلاص عن آمالنا وأحلامنا، هم قناديلنا التي نسترشد بها في دروب الحياة.

المتابع للمسيرة الإبداعية للروائية الإماراتية وفاء العميمي، يلاحظ أنها تعمل على الدوام على تطوير أدواتها وأساليبها السردية وتراعي بشكل مستمر مسألة تنوع المواضيع، وعلى الرغم من انفتاحها على البيئة والتراث الإماراتي، إلا أن تعدد المصادر الإبداعية والأدبية هي السمة البارزة في نصوصها على مستويي القصة والرواية، الأمر الذي يشير إلى أن العميمي تعمل على انجاز مشروع سردي تمضي فيه بتمهل وروية وهي سمة الأدباء الكبار الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس، وعلى ذلك النسق تسير العميمي في حياتها الإبداعية التي توجتها بالعديد من الإنجازات والجوائز.

نبوغ

بدأ النبوغ الأدبي عند العميمي باكراً منذ المرحلة الابتدائية في مدرسة «فلج المعلا للبنات»، في إمارة أم اليقوين، حيث برزت كطالبة متميزة في المجال الأدبي إلى درجة أن نالت إعجاب معلمة اللغة العربية بأسلوبيتها المتميزة في كتابة الخواطر والنثر في ذلك الوقت، وكان ذلك التمييز واضحاً في فوزها بمسابقة نظمتها المدرسة بنص يتحدث عن قيم الصداقة والمحبة، وهو الأمر الذي كان له مفعول السحر في نفس العميمي، حيث حفزها في التركيز على الأدب وقراءة المؤلفات الأدبية العربية والعالمية، ولعل تلك القصة كانت تشير بالفعل إلى كاتبة قادمة بقوة نحو المشهد الثقافي، وهو الشيء الذي بدأ يتضح من خلال المرحلة الجامعية والتي أكدت بالفعل رغبة العميمي الكبيرة في التفوق في الكتابة الإبداعية عبر القصة والرواية، حيث شاركت في الفترة الجامعية في الأنشطة الثقافية من خلال الكتابة في المجلة الجامعية وكان لها نصوص في مجال الشذرات والقصة القصيرة والمقال الأدبي، وكانت العميمي تجد دعماً مع معلمة آمنت بقدراتها الأدبية وهي د. لطيفة النجار.

أغنية أخيرة

صارت العميمي خلال الدراسة الجامعية تبذل جهداً كبيراً في مجال الكتابة السردية وبدأت موهبتها تتطور من خلال الاطلاع على العديد من التجارب المحلية والعربية بل والعالمية كذلك، فكان أن أنتجت في ذلك الوقت أول كتابتها القصصية الناضجة عبر قصة قصيرة حملت عنوان «الأغنية الأخيرة» في عام 1998، وكان ذلك النص بمثابة انطلاقة حقيقية للعميمي في عالم السرد، حيث وجدت القصة صدى كبيراً في المجتمع الجامعي ونالت رضا الأساتذة، وكذلك احتفت الأوساط الثقافية بذلك النص عندما نشر في الصحف، حيث تبارى النقاد في الإشادة به ووجد ترحيباً كبيراً منهم، فكان أن مهد لها الطريق نحو مزيد من الإبداع القصصي ثم الروائي من بعد ذلك.

تفرد

بعد فترة من نصها الأول، عادت العميمي لتشغل الوسط الثقافي والأدبي بعمل سردي جديد أكثر تميزاً ونضجاً حمل عنوان «راعي غوالي»، وهي عبارة عن قصة طويلة «نوفيلا»، والتي وجدت هي الأخرى قبولاً كبيراً عند النقاد والقراء على حد سواء، حيث برعت الكاتبة في عدد من التقنيات السردية خاصة فيما يتعلق ببناء الشخصيات، وكانت الثيمة الأساسية في ذلك العمل هو قضية المرأة من خلال امرأة تتحدث القصة عن حياتها الزوجية وواقعة طلاقها وموقف الآخرين منه، لتغوص الكاتبة في مسألة العادات والتقاليد بصورة أكثر عمقاً، كذلك تناول العمل الواقع وعلاقات الناس فيه والظواهر الاجتماعية التي تطرأ بأسلوب سهل وممتع يبتعد عن التعقيد وكأن الكاتبة أرادت أن توصل رسالتها لأكبر قدر من القراء، وبالفعل وجدت «راعي غوالي»، تقديراً كبيراً، فحصلت العميمي من خلال هذا العمل على جائزة المرأة الإماراتية في الآداب والفنون، الدورة التاسعة في مجال القصة القصيرة.

نضج فني

والواقع أن العميمي استفادت كثيراً من الآراء النقدية حول كتابها «راعي غوالي» واتجهت مرة أخرى نحو تطوير أدواتها وأساليبها السردية والتقنية، الأمر الذي قادها بالفعل نحو النضج الفني الذي تجلى بصورة واضحة من خلال روايتها «الأمير والفهيم»، والذي تعتبره العميمي من أفضل نصوصها في مجال السرد، لتنتج بعده العديد من الأعمال الإبداعية من قصص وروايات، حيث وجدت الرواية إشادة كبيرة من النقاد وظهرت فيها البراعة السردية واللغوية للكاتبة التي استطاعت أن تنتج عملاً يغوص عميقاً في التراث الاجتماعي في منطقة الخليج، وذلك مجال ترى العميمي أن من المهم التطرق إليه وتناوله من قبل الأدباء فمن المهم أن يتجه الأدب نحو التراث المحلي والخليجي، وهي ترى أن بعض الروايات الإماراتية عكست جزءاً من تاريخ الإمارات العريق، ومن الضروري التوسع فيه.

منابع ثقافية

كانت القراءة والتعمق في المؤلفات الأدبية هو الطريق الذي قاد العميمي نحو التفوق في السرد، فقد اطّلعت على كثير من الأعمال لمؤلفين كبار في المنطقة العربية، فكان أن تأثرت بصورة أعمق بالمنتوج الأدبي لنجيب محفوظ، وعبد الوهاب مطاوع، وكذلك المؤلف السعودي غازي القصيبي، صاحب الكتابات العميقة والنصوص المفتوحة التي تجمع بين الشعر والقصة القصيرة، إضافة إلى البعد التاريخي، وكذلك الكاتبة الإماراتية آمنة المنصوري، خاصة في روايتها «عيناك يا حمدة»، مشيرة إلى أنها قد اطّلعت على العديد من الكتابات السردية المحلية وتوقفت طويلاً عن أول رواية إماراتية وهي رواية «شاهندة»، لراشد عبد الله النعيمي، وهو العمل الذي شد العميمي بقوة نسبة لعوالمه الرائعة وحسه الجميل بالتاريخ، إضافة إلى جماليات المكان وجمعه بين اللغة الفصيحة والمحلية، وكذلك تأثرت الكاتبة بأعمال خليجية وعربية شكلت وجدانها وفتحت الكاتبة كذلك نافذة على الأدب العالمي فكان أن اطلعت على أعمال فيكتور هوجو خاصة رواية «البؤساء»، التي تأثرت بها بشدة وبرسالتها ومضامينها ومعانيها الإنسانية، وكذلك الكاتبة «جين ويستر»، خاصة في روايتها «أبي طويل الساقين»، والعديد من الأعمال الغربية التي ساعدتها في كتابة القصة والرواية، وكانت جزءاً من تكوينها المعرفي والثقافي.

كتابة السيناريو

إضافة إلى تفوقها ونبوغها في السرد فإن العميمي تعير اهتماماً شديداً بكتابة السيناريو وتحويل العمل الأدبي إلى درامي وسينمائي وهو المجال الذي باتت تتجه نحوه الكاتبة التي تؤمن بالتطور وضرورة الانفتاح على المتغيرات الجديدة خاصة في أعقاب الثورة المعلوماتية والرقمية التي أنتجت واقعاً جديداً في مجال الأدب والإبداع، فالعميمي ترى بضرورة استغلال مواقع التواصل الاجتماعي من قبل الأدباء من أجل حشد هذا المجال بالكتابة الجيدة.

إضاءة

تعتبر وفاء العميمي واحدة من أبرز الكاتبات في الإمارات، ولها عدد من الأعمال الروائية والقصصية، وحازت عدداً من الجوائز مثل جائزة المرأة الإماراتية للآداب، كما شاركت في الكتابة للصحف والمجلات، بدأت مجال الكتابة باسم مستعار «شمس الضحى».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"