عادي

أرض الياسمين.. مقصد السائحين وصنّاع العطور في مصر

قرية مصرية تحتكر 50 % من زراعته في العالم
23:23 مساء
قراءة 3 دقائق
خلال جمع الياسمين

القاهرة: الخليج

تشرق الشمس على حقول قرية الياسمين في مصر، فتبدد بأشعتها الدافئة، ما تبقى من قطرات الندى التي تهبط على زهورها الرقيقة البيضاء، عند الساعات الأولى للفجر، فيأوي عشرات من المزارعين، إلى ظلال الأشجار العتيقة، لالتقاط الأنفاس، وهم يرقبون في فرح غامر، تلك الأقفاص الخشبية المملوءة بمحصولهم الوفير، قبل دقائق من رحلتها الأخيرة التي تتحول بعدها إلى تلك العجينة الفريدة، التي تعد أحد أهم المكونات الأساسية لكثير من أفخم ماركات العطور.

تجذب قرية شبرا بلولة، في مثل تلك الفترة سنوياً، مئات المصريين الذين يتدفقون عليها، للمشاركة في موسم حصاد الياسمين، الذي يبدأ مع مطلع شهر يوليو ويستمر حتى نهاية نوفمبر، إذ تحول هذا الموسم إلى وسيلة للجذب السياحي، لتلك القرية الصغيرة من أعمال محافظة الغربية، التي لم تكن إلا قرية صغيرة عادية مثل باقي قرى الريف المصري، قبل أن يتحول فلاحوها إلى زراعة الياسمين، قبل ما يزيد على سبعة عقود، لتصبح واحدة من أهم القرى العالمية التي تحترف تلك الزراعة، بعدما نجحت في احتكار زراعة ما يصل إلى نحو 50% من إنتاج زهور الياسمين في العالم.

على امتداد ثلاثة أشهر، يستمر موسم حصاد الياسمين في شبرا بلولة، حيث تبدأ عمليات جمع الزهور يومياً، من منتصف الليل، لكنها تتوقف عند الثامنة صباحاً، مع اشتداد أشعة الشمس، قبل أن يقوم المزارعون برفد مركز التجميع القريب أو ما يعرف ب«المجمع»، بما نجحوا في جمعه من زهور، يوصلها المجمع إلى المصنع الوحيد المتاخم للقرية، لتخضع الزهور الندية لعملية دقيقة تتحول بعدها إلى عجينة طرية، تصدر كمادة خام إلى كبريات المصانع التي تحترف صناعة العطور في أوروبا، واستخدام الزيت الناتج عن تلك العملية في العديد من الصناعات الطبية والعطرية.

تبعد قرية شبرا بلولة عن القاهرة بنحو 90 كيلومتراً، لكن الزائر يمكنه بسهولة أن يشم تلك الرائحة الزكية تنتشر في الأجواء، كلما اقترب من القرية، التي يحترف سكانها البالغ تعدادهم قرابة 50 ألف نسمة، تلك الزراعة منذ عقود، وينافسون بإنتاجهم عشرات القرى الهندية التي تحترف تلك الزراعة، والتي نجحت إحدى العائلات المصرية، وهي عائلة فخري في إدخالها إلى مصر، فشيدت أول مصنع لاستخلاص الزيوت العطرية بالقرب من القرية، التي يبلغ إنتاجها يومياً من الياسمين ما يصل إلى 10 أطنان، يتم توريدها بعد جمعها إلى المجمع الذي يشتري الطن ب12 ألف جنيه، ليستخلص منه ما يتراوح ما بين 2 إلى 3 كيلوغرامات من عجينة الياسمين، التي يتم تصديرها إلى الخارج بأسعار تصل إلى نحو 15 ألف دولار للكيلو الواحد. دخلت زراعة الياسمين إلى قرية شبرا بلولة، عن طريق أحمد باشا فخري، وكان أحد كبار ملاك الأراضي في تلك المنطقة، وهو الذي استورد زهرة الياسمين من فرنسا لزراعتها في مصر، بعدما اكتشف أن أراضي القرية هي الأنسب والأجود لتلك الزراعة، قبل أن ينشئ في وقت لاحق المصنع الوحيد الموجود بها، مع شريكة فرنسية تدعى سيسيل، ليتولى المصنع استخلاص عجينة الياسمين وتصديرها إلى فرنسا تحديداً، وقد لعبت تلك الخطوة دوراً كبيراً في تغيير نمط الزراعة في تلك المنطقة، حيث استبدل الفلاحون زراعة الياسمين بالزراعات التقليدية.

شجرة معمرة

تعد شجرة الياسمين من الأشجار المعمرة، إذ يبلغ عمرها ما يزيد على ثلاثة عقود، لكنها مقابل ذلك تحتاج إلى رعاية خاصة، حتى تلقي بزهورها لمدة تصل إلى ثمانية أشهر في العام، حيث يلعب اعتدال الطقس في مصر، دوراً كبيراً في ازدهار تلك الزراعة، والحفاظ على زهور الياسمين، التي تحتاج إلى مناخ معتدل الحرارة، ورطوبة منخفضة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"