عادي

«الملكة بيرثا والغازلات» براعة المنظور الـبصري

ألبرت أنكر اختص برسم القرية السويسرية في القرن الـ 19
23:15 مساء
قراءة 3 دقائق
8

الشارقة – عثمان حسن

ألبريت صموئيل أنكر (1831-1910) هو أحد أبرز ممثلي الرسم الفني الواقعي في سويسرا، وكثيراً ما يوصف بالفنان التوضيحي، لقدرته البارعة على تعزيز المفاهيم الفنية من خلال صور بصرية ينسجم محتواها مع محتوى النص، أو الفكرة المرتبطة بها. أُطلق عليه لقب «الرسام الوطني» لسويسرا بسبب رسوماته الشعبية الدائمة عن حياة القرية السويسرية في القرن التاسع عشر.

وُلِد في قرية انز، والتحق بمدرسة نوشاتيل، وكان معلمه لمادة الفن فريديريك موريتز، فتلقى دروساً خاصة في الرسم مع لويس والينجر، ثم التحق بالمدرسة الثانوية في بيرن، وتخرج في عام 1851، كما التحق بجامعتي بيرن وهاله بألمانيا. وفي ألمانيا استوحى أعماله من المجموعات الفنية العظيمة، وفي 1854 أقنع والده بالموافقة على امتهان الفن، وفي نوشاتيل بدأ باستخدام اسم ألبرت، لأنه كان من الأسهل نطقه لزملائه الناطقين بالفرنسية.

الريف والبساطة

خلال دراسته، أنتج أنكر سلسلة أعمال ذات موضوعات تاريخية ودينية، وبعد فترة وجيزة من عودته إلى إنز اتخذ قراراً بالتركيز على الموضوعات الحياتية اليومية للناس البسطاء، خاصة في الريف، ولوحاته في هذا الإطار تصور طريقتهم في العيش على نحو فطري وسلس، كما رسم لوحات متفرقة ذات أهمية اجتماعية كزيارات المرابين أو الدجالين إلى القرية، إلا أن نظرته المسيحية الإيجابية، فضلاً عما تمتع به من فهم مثالي للعالم، أبعده عن إبداء أي تحد علني، أو مباشر إزاء ما ينتقده. ومن اللوحات التي تصور تلك الحياة الواقعية، وتعكس بساطة الريف وعفويته، يمكن الوقوف عند واحدة بعنوان «الملكة بيرثا والغازلات» وفي تسمية أخرى «النساجات»، والملكة بيرثا بحسب المصادر هي ملكة شوابيا (907 - 966 م)، وكانت تسمى أحيانًا «ملكة النساجة»، عرف عنها اهتمامها بالناس البسطاء، خاصة أصحاب الحرف، وامتازت بفكر قوي، وطبيعة أقل ما توصف بالنبل والوفاء.

أسطورة

تقول الأسطورة: إن بيرثا خرجت من قلعتها ذات يوم إلى الريف، وركبت جوادها الصغير وكانت كعادتها تغزل وهي على جوادها، وكانت تمتلك سرجاً مصمما بفتحة، حتى لا يفوتها ملاحظة جمال الطبيعة، وأثناء رحلتها صادفت راعية صغيرة كانت تغزل وهي ترعى أغنامها.

تأثرت بيرثا بالراعية لدرجة أنها اقتربت منها وأعطتها مكافأة مادية كبيرة نظير عفتها وإصرارها. وقد حدث أن أبدى من في البلاط نساء ورجالا غيرتهم من هدية الملكة إلى الراعية، لدرجة أنهم في اليوم التالي ظهروا جميعا أمام الملكة ومنهم من يحمل مغازل بيده على أمل أن يتمكنوا بدورهم من الفوز بمثل هذه المكافأة.

لكن الملكة بيرثا، ولكونها امرأة حكيمة، لم تنخدع بهم، ولم تكافئهم، وقالت لهم: «إن الراعية الشابة فقط، هي الفاضلة والمجتهدة، والتي تستحق الجائزة». وقد استوحى أنكر ذلك كله في هذه اللوحة مستلهماً جمال الريف وبساطة الطبيعة.

تبرز في اللوحة مهارة استثنائية لجهة إظهار ملامح الأشكال، وهنا تظهر براعته في استخدام الألوان، لجهة إبراز تفاصيل الوجه والعينين في الشخصيات المرسومة، خاصة الملكة ورصانتها المعهودة، وحنوها على الغازلة الصغيرة، وهذا الأسلوب متعارف عليه عند معظم رسامي الواقعية في القرن الـ 19 خاصة غوستاف كوربيه. فالاهتمام بأبعاد اللوحة واضح تماماً في الشكل، حيث يمثل القماش منظوراً ثنائي الأبعاد مدعم باللون والطلاء، وهو بارز بشكل يوحي بفكرة الرسام ويعكس طبيعة المنظر، وتظهر في خلفية اللوحة إلى أقصى اليمين شتلات من الورد في إشارة واضحة إلى اهتمام أنكر بعمارة اللوحة، والإيحاء ببيئة الريف، وأيضاً إبراز اهتمام الملكة بهذه البيئة، كما ظهر في «كرسي» الملكة الذي ظهر باللون البني، ومزخرفاً من عالم الطيور والطبيعة.

دهشة

ظهر المشهد كأنه صورة مصغرة عن الواقع، خاصة في منظر الفتيات الريفيات، وهن ثلاث، واحدة قريبة من الملكة، وثانية في مواجهتها، وثالثة تجلس إلى يمينها قريبة من سلة صوف موضوعة على منضدة، وأظهر ألبرت الفتيات الريفيات بلباسهن الطبيعي، وكانت نظراتهن واضحة بين الفضول والخجل والدهشة، فيما وقفت سيدة من الحاشية في أقصى يمين اللوحة تنتظر أوامر الملكة.

خلفية تاريخية

تنتمي بيرثا شوابيا (907 م - 966)، إلى سلالة «أليمانيك هانفرايدنج»، وقد توجت ملكة على بورغندي من 922 حتى 937، وملكة على إيطاليا حتى 926 بعد زواجها من الملك رودولف الثاني. كما توجت ملكة للمرة الثانية على إيطاليا خلال زواجها الثاني من الملك هيو من عام 937 حتى وفاته في 948. وحتى اليوم، يتم تكريم هذه الملكة بوصفها «الملكة الطيبة بيرثا» في منطقة روماندي السويسرية، وكان لحياتها الفريدة التي استطاعت أن تكون خلالها قريبة من الملوك ومن العوام، على حد سواء، دوره في نسج الكثير من الأساطير حول حياتها القصيرة المثيرة للاهتمام والدهشة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"