عادي

ثلاثة فنانين كبار من زمن الإسكندرية

رواد التصوير الحديث في مصر
23:08 مساء
قراءة 4 دقائق
7

القاهرة: «الخليج»

أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب، للناقد والفنان الراحل محمود بقشيش كتابه «من رواد فن التصوير بالإسكندرية»، ويتناول جانباً من حياة ومسيرة 3 فنانين كبار: جورج صباغ، محمد ناجي، محمود سعيد، والثلاثة تجمعهم مسارات عدة منها ما هو تاريخي، وهو تأسيسهم الريادي لفن التصوير الحديث في مصر، والثاني جغرافي حيث ولدوا في مدينة الإسكندرية، وثالث ما يجمعهم هو تحولهم من دراسة القانون إلى دراسة الفن والنبوغ فيه، فقد دخلوا التاريخ من أوسع أبوابه كعلامات مضيئة في مشهد الفن المصري، منذ بدايات القرن الـ 20.

يسعى بقشيش في كتابه إلى عقد مقارنات بين الفنانين الثلاثة، والكشف عن الملامح والظروف المشتركة، والمختلفة أيضاً، بينهم، وكيفية مجابهة كل منهم للتحديات الفنية والفكرية في العصر الذي نشأوا فيه بكل تقلباته ومتغيراته، ومدى تأثرهم أو تمردهم على أوضاعهم الطبقية، واستلهامهم ملامح الحياة المختلفة عنهم في بيئاتهم.

ارتبط صباغ بالغرب وفنونه منذ أن دخل إليه عبر طريق ذي اتجاه واحد بلا عودة، ما صبغ فنه بمسحة أوروبية، شكلاً ومضموناً، فيما نجد أن هاجس الهوية المصرية ونزعة الاشتباك مع الواقع الشعبي والتراث الحضاري كانا قويين عند ناجي وسعيد، حتى أنهما جعلا ذلك مدخلاً للالتحام بالحراك النهضوي لمصر.

ومن زاوية ثانية كان سؤال الحداثة ملحاً عليهم جميعاً، ودافعاً لهم، للحاق بحركة الفن الحديث في الغرب، وما يموج به من مدارس جديدة، فكان تحدياً آخر لثلاثتهم، واختباراً لحجم الموهبة، التي يملكها كل منهم، لبناء شخصية متفردة، وهكذا اختلفت إجاباتهم عن ذلك السؤال إلى حد التباين، تبعاً لاختلاف زاوية النظر لكل منهم إلى معنى الحداثة والعصر والهوية.

سوق الفن

يشير الكتاب إلى أن هناك معاجم وموسوعات ضخمة، تختص بسوق الفن الدولي، مهمتها رصد الصعود والتراجع أو الثبات في سعر اللوحات الخاصة بالفنانين العالميين، ولم تذكر تلك الموسوعات من الفنانين المصريين غير اسمين: محمود مختار وجورج صباغ، والثاني كان مبعداً عن التاريخ الرسمي للفن، ولولا وجود جماعة فنية في باريس تحمل اسمه، لتبدد هناك أيضاً في خضم الموجات الفنية المتصادمة.

كان صباغ (1887 – 1951) قد تزوج من أجنبية فتبرأ منه أبوه، وعند وصوله إلى باريس خطفته أضواء الفن من دراسة الحقوق، ووجد عملاً في محل بيع للسيارات، وتطوع في الجيش الفرنسي، غير أنه أعفي من الخدمة سنة 1917 بسبب سوء حالته الصحية، وفي العام نفسه أقام أول معرض له في باريس، بعد ذلك تسلسلت معارضه في عديد من عواصم العالم.

كان يتبادل الرسائل مع نقاد فنه، وفي إحداها يقول: «إنني أعمل كثيراً، وأظنني خطوت خطوة كبيرة من أجل أن أكون تلميذاً متواضعاً للطبيعة العظيمة الجميلة، المأساوية المغرية الملغزة، الأستاذة في كل الأحوال، وعلى عكس طريقتي لم أعد أجود لوحة «المنظر الخلوي» في المرسم، بل أنجزها بالكامل أمام «المشهد المرئي».

تأمل

أما محمود سعيد (1897 – 1964) فكان عزوفاً عن الكلام والكتابة، مستغرقاً في فعل الرسم والتأمل، ويبدو أن أسرته ذات الوضع الاجتماعي الرفيع، وأصدقاءه أسهموا بشكل مباشر أو غير مباشر في مؤامرة الصمت، ومع ذلك فإن موقفه من الوجه الإنساني – كما يرى بقشيش – يدعو إلى الدهشة، فهو حين يتناول وجوه قريباته، يخلع عليهن أقصى ما يستطيع من علامات الرقة والتحضر والتعفف.

وإذا كان سعيد يلتزم سكة السلامة مع أسرته وطبقته فإنه يتخفف من كل الضغوط، عندما يكون النموذج المراد رسمه منتمياً إلى شرائح الخدم، عندئذ يعري كل شيء، وهو إذ ينتقل من موضوع «الأسرة» إلى موضوع «الخدم» لا ينتقل انتقالاً آلياً من موضوع إلى آخر، بل ينتقل من أسلوب فني إلى آخر، فمع وجوه أسرته يلتزم إلى حد كبير بالأسلوب الأكاديمي المدرسي.

ومع وجوه الخدم يبتكر أسلوباً تعبيرياً خاصاً به، ينتحل من النحت الفرعوني ميزة الصلابة، وإن ضحى بروحانية الكتلة، وانزلق بها إلى فظاظة فطرية لا تخلو من سحر، ويأخذ من رمبرانت إضاءته السحرية، وإن حررها من مصدرها الثابت، ويتكرر الشيء نفسه مع وجوه الرجال، فالأصدقاء لهم الأسلوب الأكاديمي، وللآخرين من الفقراء الأسلوب التعبيري.

ثروة لونية

كان محمد ناجي فناناً جاداً، أميناً مع عصره، ومع قلقه الخاص، يبحث عن نفسه أو عن أسلوب شخصي، يميزه بين مدارس ومذاهب وتيارات انبهر بها في لحظات التلاقي الأولى، غير أنه كان ينتقل من مدرسة إلى مذهب إلى تيار في خفة الطائر، وقبل ذلك كان مفتوناً بإبداعات عصر النهضة.

ويعلق رمسيس يونان على ذلك بقوله: «كانت المرحلة الكلاسيكية في فن ناجي تقتصر على زيارة المتاحف ونقل صورة أو صورتين من عصر الإحياء، ولا يبدو لنا من تأمل أعماله اللاحقة أنه قد أفاد كثيراً من هذه المرحلة، سواء فيما يتعلق بالثروة اللونية، أو من حيث براعة التأليف، وروعة الألحان».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"