لماذا الثلاثون؟

00:27 صباحا
قراءة دقيقتين

.. وأنتَ الآن فوق الستين أو فوق السبعين من العمر.. ما العمر الذي تحنّ إليه وتتمنّى لو يعود الزمن بك إلى الوراء لتعيش، أو تعاود تجربة العيش في ذلك العمر الماضي؟؟.. أظن لو طرحنا هذا السؤال على رجال ونساء الستين والسبعين وحتى الثمانين لاختاروا العودة إلى فترة الثلاثين من أعمارهم، وربما بسرعة، وبلا تردد..
لماذا الثلاثون؟؟.. لأنك في العشرين ابن جامعة وابن بقايا مراهقة، وابن رومانسية جسدية ونفسية قد تدفع بك إلى قرار تندم عليه، وفي العشرين أنت أشبه بطائر محلّق لا علاقة لك بالأرض، وفي العشرين تمتلئ عادة بنزق المغامر وتبدو الدنيا أصغر من خاتم في إصبعك.
ولماذا الثلاثون؟؟.. لأنك في الأربعين قد تكون زوجاً سيئ الحظ أو حسن الحظ، فأنت لا تدري ما الذي يخبئه لك الزمن؟؟.. وقد تكون خسرت في حب أو في صداقة، وفي الأربعين تثقل كاهلك أوائل الحكمة والعقل والهدوء، والأربعين عادة يقع بين مَدّ قلبه، وجزر عقله، فيتردد، ويحسبها جيداً، وربما يمضي الكثير من وقته في الحساب.
للعشرين من العمر مزاجها وأشواقها واندفاعاتها، وللأربعين من العمر حساباتها.. خساراتها وأرباحها.. فما الذي يتبقى، إذاً؟؟.. تتبقى لنا الثلاثون؟؟ هذه الهدية العمرية التي تلمع كالضوء..
لأمر ما عاد الرجل إلى الثلاثين من عمره، وصادف أن ثلاثين عمره جاءت في ثمانينات القرن العشرين أو أواخرها وأوائل تسعينات ذلك القرن العشرين الذي كان يُسمى قرن وحيد القرن في إشارة إلى هيمنة بعض القوى الدولية الكبرى على العالم مثل الولايات المتحدة الأمريكية.
كانت ثلاثينات الرجل رائعة وشابة، كما ينبغي لشاب تخلّص من العشرين، وليس خائفاً من تبعات الأربعين، أما الخمسون والستون فلم تخطر له على بال وهو كالنحلة في الثمانينات. يقرأ الشعر والفلسفة والروايات، ويأكل مثل ذئب، ويحب الجري والملاكمة. وإذا أراد أن يكتب قصيدة لا يذهب إلى وادي عبقر، بل، يجعل الوادي يأتي إليه..
لماذا الثلاثون؟
لأنها القوّة المتوازنة. لأنها نضوج الحب، وعافية الحبر والورق والكتابة.
لماذا الثلاثون؟؟، لأنها الحلم والشجاعة والصحة. لأنها الشعر الذي كان يُكْتَبْ كل يوم في الظهيرة بلا شرطة من الايديولوجيا. لأنها الحرية الشخصية في الكتابة بعيداً عن حاملي الهراوات الفكرية، ولأنها الثلاثون. ثلاثون الشاعر الذي لم يتقمّص وجه البطل أو وجه الضحية أو وجه الشهيد، بل ظل طليقاً وأبيضَ مثل طائر النورس قريباً دائماً وأبداً من البحر، وحين يريد مزيداً من الطهارة يذهب ليتمجّد في رمل الصحراء.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"