صناعة القلق

00:16 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبدالله السويجي

لن تقوم حرب عالمية ثالثة بسبب تايوان تنطلق شرارتها بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، أو بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، أو بسبب الملف النووي الإيراني، ولن تقوم حرب بين إسرائيل و«حزب الله» وتمتد لتشمل سوريا وقطاع غزة؛ لأن الحرب العالمية قائمة منذ أكثر من عقد، عندما اجتمع العالم وأيّد «الجهاد» لإسقاط الدكتاتوريات (أصبح العالم فجأة يتبنّى السلفية والتشدّد الديني، واحتضن المقاتلين القادمين من الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا وبعض الدول العربية، سلّحهم ومدّهم بأكثر أنظمة الاتصالات تطوراً، وموّلهم واشترى منهم النفط، وحين اختلط الحابل بالنابل، وحدث ما حدث من تدمير وتهجير وتحطيم وقتل وجروح، وسادت الفوضى العالم، عاد واصطفّ وحشد ليحارب الإرهاب. «المجاهدون الأتقياء» تحولوا إلى إرهابيين، فسحبوا الغطاء عنهم بعض الشيء، وانحسرت الحرب العالمية التي قد تتفجّر في أي وقت حسب الطلب، وحسب الأجندة الخفية).

والحرب العالمية انطلقت قبل عامين، حين غزا العالم فيروس «كوفيد-19»، وفتك بالصغار والكبار، الذكور والإناث، وراح ضحيته الملايين، ودمّر اقتصادات دول كثيرة، ومسح آلاف الشركات والمؤسسات عن وجه الخريطة الاقتصادية، والأمر ذاته حدث مرة أخرى، وجرى تناقض في الأقوال والممارسات، فبعد أن قرأنا تصريحات عن استمرار خطر الوباء لسنوات طويلة، فتحت العواصم محلاتها ورفعت الحظر وخففت الإجراءات الاحترازية وأبقت على التطعيمات. لكن الحرب لا تزال قائمة حتى اللحظة، وتحذّر منظمة الصحة العالمية من عشرات الفيروسات المتحوّرة، لكن الناس ضجروا وباتوا يتعايشون مع الفيروس كأنه رشح أو إنفلونزا، بل إن الخوف على المصاب لم يعد كما السابق، والحجر ليس كالسابق، لم تعد فترة البقاء في المنزل 14 يوماً، وتراجعت إلى خمسة أيام. والخوف أيضاً من «داعش» تراجع، وتغلّب الناس على ذعرهم وعادوا إلى حياتهم الطبيعية.

الحرب العالمية الثالثة لن تقع؛ لأنها وقعت، وتحصد كل يوم خسائر كبيرة، ولنرصد ما أحدثه الإرهاب والحرب ضد الإرهاب من خسائر بشرية ومادية، ولا تزال مفاعيلها مستمرة، لا البيوت أعيد تعميرها، ولا اللاجئ عاد إلى أرضه، ولا المتقاتلون جلسوا حول طاولة الحوار، ذرة القلق لا تزال مشتعلة، بعضها ظاهر وآخر تحت الرماد؛ لأن الأحلاف لا تزال كما هي وتزداد اتساعاً. وكذلك الأمر بالنسة للوباء، الذي ما كاد العالم يتأقلم معه حتى خلقوا فيروس جدري القردة.

هناك جهات خفية مهمتها صناعة القلق للإنسان، مرة بالتلويح بحرب عالمية لا تبقي ولا تذر، ومرة بالجراثيم والأوبئة، وأخرى بالتنبؤ بالكوارث الطبيعية، إضافة إلى حملات التنبيه والتحذير من تناول الخضراوات مرة، واللحوم مرة ثانية، ومنتجات الحليب مرة ثالثة، حتى أنهم يختلفون بشأن شرب الماء صباحاً، وهذا يشجع على تناول الفيتامينات وذاك يحذّر منها، وهكذا، حتى بات الإنسان يعيش في دوامة من القلق والتوتّر، ما زاد من الأمراض النفسية كالاكتئاب، وأمراض القلب والشرايين وغيرها.

هنالك متّسع من اليابسة كي تعيش البشرية، ووفرة من الغذاء كي تأكل، وهناك ماء يكفي لضعفي عدد سكان العالم، فالعالم مملوء بالبحيرات والأنهار وتقطير مياه البحر، وهناك من الغاز والنفط غير المستخرج ما يكفي لمئة عام قادمة، إلا أن رجال الاقتصاد وأصحاب رؤوس الأموال يتحدثون عن حروب المياه، والتصحّر، وتناقص اليابسة، لزيادة مساحات الرعب البشري من المستقبل.

لقد خلقت الدول رادعاً للدول الأخرى، ومن غير الوارد اندلاع حرب عالمية؛ لأنها لو وقعت فستفنى البشرية. أليس من الأجدى التفكير في التقارب الإنساني، وانشغال كل دولة بقضاياها داخل حدودها؟ لماذا كل هذا الجشع كأن العالم لا يزال في القرن الثامن عشر؟.

تكاليف السلم أقل بكثير من تكاليف الحرب، ليعمل الخبراء والمستشارون على حلول عادلة تؤمن الغذاء والحياة الكريمة للجميع، بدلاً من التفكير بالتخلّص من ربع البشرية.

[email protected]

 

 

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"