فرص نجاح خطة تسقيف سعر النفط الروسي

22:15 مساء
قراءة 3 دقائق

د. محمد الصياد *

كما صار معلوماً، قرر قادة مجموعة السبع (أمريكا وكندا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان)، التي انعقدت في الفترة من 26 إلى 28 يونيو في شلوس إلماو في ألمانيا، دراسة وضع سقف سعري على صادرات النفط الروسي. الآلية المقترحة تفترض احتكاراً حصرياً لمشتر واحد Monopsony، هو الدول السبع (في علم الاقتصاد، احتكار الشراء Monopsony، هو السوق الذي يتحكم فيه مشتر واحد بشكل كبير شبه احتكاري)، من خلال حظر الدول السبع، أو تقليلها، أنشطة التأمين والتمويل لشحنات النفط الروسية التي تباع فوق السعر الذي تحدده الدول السبع. على سبيل المثال، إذا وافقت ناقلة نفط على أخذ شحنة من روسيا بمعدل أعلى من سعر البرميل الذي حددته مجموعة السبع (G7)، فلن تتمكن من الحصول على التأمين والخدمات المالية اللازمة لاتمام معاملتها. إنه الاقتصاد النهبي Plunder economy في أسطع تجلياته!

المقترح كيدي بطبيعته، لم يُدرس الإعلان الاستعراضي عنه، على ما هو واضح من التصريحات المتضاربة ل«أصحاب القرار». إنما فكرته تدور حول ربط الخدمات المالية والتأمين وشحن شحنات النفط بسعر حد أقصى للنفط الروسي، فإذا أراد الشاحن أو المستورد هذه الخدمات، فسيتعين عليه الالتزام ببيع النفط الروسي بسعر أقصى محدد سلفاً. فما هو سقف السعر الذي سيدفعونه؟ أوساط القمة تحدثت عن سعر 200 دولار للبرميل!

يخطئ من يعتقد بأن هدف القرار هو فقط خفض عائدات موسكو من الطاقة، أو فقط العودة غير المجدية إلى سياسة التحكم في الأسعار وتحديد سقوفها. في الوقع، المسألة أكثر تعقيداً بكثير، تتجاوز أصداء الحرب في أوكرانيا ومشاكل الطاقة الحالية، كما كشف عن ذلك بعض وسائط الاعلام الأمريكية. فالدول السبع تحاول الآن في الكواليس إقناع مجموعة من الدول المستهلكة للنفط، بانشاء سوق تكون فيه كلمة الفصل في تحديد سعر النفط للمستهلكين بدلاً من المنتجين، أي خلق كيان احتكاري عالمي جديد. وهذا يتناقض بطبيعة الحال، وبشكل صارخ، مع سياسات «أوبك» و«أوبك بلس» الإنتاجية، ما يضع الدول السبع في مواجهة مباشرة مع الائتلاف النفطي الذي يضم أكبر منتجي ومصدري البترول في العالم، وعلى رأسهم السعودية وروسيا، بما يشكل إحدى أكبر الانعطافات التاريخية الجيو-اقتصادية للألفية الثالثة.

الاقتراح قدمه الرئيس الأمريكي، لكن منظور تطبيقه يختلف بين دولة وأخرى بسبب الخشية من عواقبه. فرنسا، على سبيل المثال تطالب بوضع حد أقصى لأسعار النفط في جميع أنحاء العالم بدلاً من استهداف النفط الروسي فقط، ما يعني ضمناً إما التنسيق الفوري مع «أوبك بلس» أو الدخول في مواجهة مباشرة مع الائتلاف النفطي والبحث عن مزودين للنفط بديلين، هذا إن وُجِدوا أصلاً. بينما اقترحت إيطاليا استكشاف أيضاً إمكانية شمول آلية التسقيف السعري (Price capping)، أسعار الغاز الروسي بهدف الحد من التضخم في الدول السبع.

ثم كيف للدول السبع التنسيق في ما بينها لاقناع مستهلكي النفط في آسيا الذين يستفيدون من شراء النفط الروسي بأسعار مخفضة. الأمر لا يتعلق فقط بالهند والصين، وإنما بكافة دول آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية التي اتضح أنها لن تضحي بمزايا الخيارات التنموية الجديدة من أجل عيون مجموعة السبع وأنظمتها التجارية والمالية الأحادية. ناهيك عن أن من السذاجة بمكان افتراض أن روسيا لن تنتقم، سواءً باختيار عدم البيع بسقوف الأسعار القصوى، أو برفع الأسعار عن عمد عن طريق خفض الإنتاج. وقد أظهرت روسيا بالفعل استعدادها لوقف إمدادات الغاز الطبيعي لتقويض العقوبات المفروضة عليها.

هناك جانب آخر بعضه تقني يتعلق بما تسمى التدابير «الفنية» وغير الفنية المعرقلة للتجارة الدولية، بحسب قواعد ونصوص اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، وبعضه الآخر يتعلق بتقويض إجراءات الثقة في العلاقات الاقتصادية الدولية. فالراجح أن تؤدي عمليات احتكار الشراء (من خلال تطبيق مقاربة تسقيف سعر النفط الروسي)، إلى شيوع عدم اليقين الاقتصادي وعدم الكفاءة؛ وهو ما من شأنه إرباك حسابات السوق في كل شيء.. من التأثيرات الخارجية إلى علاقات وممارسات الامتثال والوفاء بالالتزامات. من ذلك مثلا، احتمال أن يؤدي احتكار الشراء إلى إحياء تجارة النفط في السوق السوداء بدعم قوي من حكومات الدول. لذلك، يسود الشك في أن الخطة ستمضي قدماً حسبما يريد لها الأمريكيون، ممثلون في رئيسهم الذي طرح الفكرة في القمة. سننتظر ونرى ما سيحدث بعد شهرين حين تستقبل أوروبا فصل الشتاء، ما إذا كانت المصالح ستحضر وتباعد بين مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي، أم سيتم تغييبها ارضاءً لغرائز أحقاد الماضي الحاضرة اليوم بقوة في علاقات الأوروبيين.

* كاتب بحريني

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"