أمريكا والصين والدولار

22:31 مساء
قراءة 3 دقائق

د. محمد الصياد*

في السنوات القليلة الماضية، بدأت سمعة الدولار الأمريكي ومصداقيته تفقدان بريقهما بصورة متزايدة، نظراً للشكوك التي بدأت تراود الحكومات والمستثمرين بشأنه باعتباره أحد الأصول المحفوفة بالمخاطر، ارتباطاً بالديون المهولة التي تثقل كاهل الاقتصاد الأمريكي والتي وصلت في يناير 2022، إلى 30.1 تريليون دولار، في حين أن إجمالي الناتج المحلي الأمريكي لم يتجاوز في نفس الفترة 25.3 تريليون دولار؛ أي أن نسبة الدين إلى إجمالي الناتج وصلت إلى 119%.

وإذا أضفت إلى ذلك، الالتزامات (الخصوم Liabilities) غير المُمَوَّلة، المتمثلة في وعود بضمان مدفوعات المتقاعدين المرتبطين بالمعاشات الحكومية، وبرامج الاستحقاقات، والضمان الاجتماعي، فإن إجمالي الدين سيتجاوز 200 تريليون دولار. وما الدولار في الواقع سوى عملة ورقية تستند إلى الإيمان والثقة غير الخاضعين للمساءلة، فقط لأنها صادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية ومدعومة بالثقل الكامل للحكومة الأمريكية، ومن ضمنه وأهمه على الإطلاق، ثقلها العسكري المتبقي من عناصر عظمة الدولة الأمريكية. من هنا يأتي تفسير إدمان واشنطن على فرض العقوبات على الدول والتهديد بفرضها بصورة روتينية، أفقدت الدولار هيبته. فهو في نهاية المطاف لا يعدو أن يكون أداة دين يتم إصدارها للجمهور بدون قياس موضوعي حقيقي لقيمتها الحقيقية. وبحسب الاقتصاديين الأمريكيين المستقلين، فإن الدولار فقد منذ تأسيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في عام 1913، أكثر من 97% من قيمته. وبحسب بيتر ديفيد شيف المحلل المالي ووسيط تجارة الأسهم الأمريكي، الرئيس التنفيذي وكبير الاستراتيجيين العالميين لشركة (Euro Pacific Capital Inc)، فإن الولايات المتحدة لن تكون قادرة أبداً على تمويل ديونها حتى لو أعادت قاعدتها التصنيعية، وخفضت إنفاقها الحكومي، وأنهت جميع أعمالها الحربية في الخارج.

في العقود الأربعة الماضية، راكمت الصين فوائض مالية ضخمة بفضل معدلات نموها القياسية وفائض ميزان مدفوعاتها (نتيجة لفوائض ميزانها التجاري المتراكمة)، فاستثمرت جزءاً كبيراً من مدخراتها في سندات الخزينة الأمريكية؛ أي في الديون الأمريكية كملاذ آمن لاحتياطياتها النقدية، حيث ظلت الصين تقدم قروضاً للولايات المتحدة كي يتمكن المستهلكون الأمريكيون من شراء السلع الصينية، حيث كان التصدير محرك الاقتصاد الصيني الرئيسي. وقد سمحت هذه الفوائض التجارية واسعة النطاق، مع الولايات المتحدة، للصين، بتأمين إدمان أمريكا على القروض لتمويل استهلاكها. الآن لم يعد هذا متاحاً بسبب التوترات التجارية والجيوسياسية بين الصين والولايات المتحدة، خصوصاً بعد مشاريع مبادرة «حزام واحد طريق واحد» الصينية، وتنامي قلق أمريكا من أن تشكل هذه المشاريع العملاقة، عائقاً أمام استمرار الهيمنة الأمريكية على منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وبحسب موقع Schiffgold.com التابع لمؤسسة ShiffGold التي أسسها وسيط البورصات الأمريكي إياه بيتر شيف (Peter Schiff) في عام 2010، والمتخصصة في تجارة المعادن الثمينة، فإن بوسع الصين «استخدام ديون الولايات المتحدة كسلاح؛ لأنها لا تستطيع تجاوز الرسوم الجمركية التي كان ترامب قد فرضها في عامي 2018 و2019 على آلاف المنتجات الصينية البالغة قيمتها 370 مليار دولار، والتي يتأرجح البيت الأبيض حالياً بين تخفيفها تحت ضغط التضخم (ترى وزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين أن العديد من هذه الرسوم غير استراتيجية وتزيد التكاليف على المستهلكين والشركات الأمريكية)، وبين إبقائها لأنها بحسب بعض أركان إدارة بايدن (الممثلة التجارية الأمريكية كاثرين تاي)، توفر لأمريكا ميزة إضافية في المفاوضات مع الصين. تستورد الولايات المتحدة منتجات أكثر بكثير مما تستورده الصين؛ لذلك بإمكان الصين (لتشديد الضغط على واشنطن)، البدء في بيع سندات الخزانة الأمريكية بشراسة أكثر. وحين تبدأ الصين في إغراق السوق بكميات كبيرة من الديون الأمريكية، فقد يؤدي هذا إلى ارتفاع أسعار الفائدة على القروض التي تطلبها أمريكا من العالم يومياً، وأن ينخفض ​​الدولار ترتيباً.

تعمل الصين بهدوء، لكن بوتيرة متسارعة، كي تحل عملتها الرنمينبي «Renminbi» (المسمى الرسمي للعملة الوطنية الصينية، ومسمى اليوان هو مقياس لهذه القيمة بفئاتها المختلفة)، محل الدولار الأمريكي كعملة عالمية. ومن شأن تحقيق هذا الهدف أن يمنحها مزيداً من السيطرة على اقتصادها. وبموازاة نموها الاقتصادي، فهي تتخذ خطوات لتحقيق ذلك، وسيصبح واقعاً بعد أن تزيد البنوك المركزية في العالم من احتياطياتها من العملة الصينية إلى نحو تريليون يوان (هذا يحدث الآن، كما أن صندوق النقد الدولي اعتمد في أكتوبر 2016، اليوان ضمن سلة العملات التي تشكل عملة الصندوق الحسابية «حقوق السحب الخاصة»

Special Drawing Rights التي تضم الدولار واليورو والين والجنيه الإسترليني)، وبعد أن يتوصل بنك الشعب الصيني (PBOC) إلى قرار يسمح بالتجارة الحرة لليوان (ليس على الطريقة الأمريكية المنفلتة وإنما على أساس قانون العرض النقدي المتوازن)، سيقلل وزن الدولار الأمريكي في سلة العملات المربوط بها.

* كاتب بحريني

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"