اقتصاد الإمارات يتفرد بحيويته وبإشاعة الأمل في العالم

22:28 مساء
قراءة 4 دقائق

د. عبدالعظيم حنفي*
يقاس النمو الاقتصادي من الناحية التقليدية بمدى الاهتمام بناتج البلد من السلع والخدمات وهو ما يسميه خبراء الاقتصاد الناتج المحلي الإجمالي ويرمز اليه بالحروف اللاتينية GDP. وكل من يدرس علم الاقتصاد من البديهي أن يهتم بأمر النمو الاقتصادي. وكل ما يتم تدريسه في علم الاقتصاد يدفع نحو تحفيز النمو. وبعد الحرب العالمية الثانية وعلى نطاق واسع يسود الافتراض بأن الأولوية التي تعطى للنمو الاقتصادي ليست محل جدال وأنه يتساوى في أهميته مع المثل العليا ومع القيم والفضائل. وازدياد ناتج السلع والخدمات في أحد الاقتصادات كان يعني زيادة الدخل للجميع (برغم أن بعض الأفراد قد يكسبون حتماً أكثر من الآخرين) وزيادة الدخول تمكن مزيداً من الأشخاص من شراء المزيد من السلع (والخدمات) والتمتع بها في الحياة. وتشبه عملية النمو الاقتصادي مادة تشحيم اجتماعية تعمل على تسهيل التوترات، في الوقت الذي تشيع فيه الأمل في الشعوب، فالنمو الاقتصادي مهم ولا يزال، بل إنه ضروري أخلاقياً إذا كان الأفراد والمجتمع يهتمون بتحسين المستويات المعيشية للشعوب في جميع أنحاء العالم. إن النمو الذي تحركه التكنولوجيا ضروري إذا كان يتعين على المجتمعات ألا تغرق في المشاكل، فبدون الاكتشافات المهمة في العلوم الطبية، لن يكون من الممكن توفير الرعاية الصحية لجيل من المسنين دون التسبب في إفلاس الشباب، ودون الاكتشافات المهمة في إنتاج الطاقة وتوزيعها لن يكون من الممكن أن ندفع العالم الثالث إلى مستويات معيشية تعتمد على الصناعة دون الإضرار بالبيئة وتجريد العالم من الموارد الطبيعية. ودون النمو الاقتصادي السريع الذي تحركه التكنولوجيات الجديدة لن يكون من الممكن الحد من الفقر أو أن نضمن للجيل القادم حياة أفضل من حياتنا.

تري دراسات اقتصادية أنه بينما هناك مجتمعات يتجمد بل وأسوأ من هذا يتدهور فيها نصيب الفرد من الدخل، بحكم تعريفه- لا يمكن أن تقنع شبابها بأن ثرواتها الاقتصادية سوف تتحسن عندما يكبرون – ودون الأمل قلما توجد، إن لم تنعدم، روح ريادية الأعمال للسعي نحو تحسين المستوى المعيشي للفرد، ناهيك عن المستويات المعيشية للأحياء المجاورة أو للمدن أو للدول بأجمعها، بمعنى أن عدم وجود نمو يمكن أن يصبح في حد ذاته عقبة أمام التقدم الاقتصادي أو ما هو أسوأ من ذلك.

وكما قال أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد بن فريدمان بشكل مقنع فإن النمو البطيء يمكن أن يوفر البيئة التي تغذي عدم الثقة بل وفي الغالب الكراهية، لاسيما إذا اقترن ذلك بزيادة عدم المساواة.

والعكس قد يكون صحيحاً بالنسبة للاقتصادات الآخذة في النمو، فهذه الاقتصادات لديها فرصة طيبة لتستفيد من الدائرة الحميدة. حيث إن الشباب يمكنهم أن يعولوا على أنهم سيعيشون حياة أفضل، على افتراض أنهم سيعملون جادين لتحقيق ذلك، ويسوقون مثالاً بدولة الإمارات؛ فالزائرون لدولة الإمارات على سبيل المثال- يتحدثون عن الحيوية وإحساس الإثارة اللذين لا يسمع عنهما المرء في أوروبا الغربية وهي الدول الغنية بالنسبة لتوزيع الدخل في العالم، كما لا يسمع عنهما في كثير من بلدان أمريكا اللاتينية أو إفريقيا، وهي الدول الأقل من ناحية توزيع الدخل العالمي.. حيث نجحت دولة الإمارات في أن تحقق نجاحاً لافتاً وملهماً لدول العالم في تشجيع النمو الاقتصادي الذي يعود بالفائدة على القطاعات السكانية العريضة، كما أنها جعلت من السهولة تأسيس الأعمال وانفتحت بدرجة نجاح لافتة على السلع والأفكار ورأس المال الأجنبي، كما تغلبت على العديد من العقبات لتكون مركز الشرق الأوسط للبنوك والتجارة. وقد أدركت قيادتها بحكمتها ورشدها وحوكمتها أنها لن تنجح بدون الوجود النشط للمؤسسات المالية الكبرى على أرضها ما جعل معظمها يقوم بافتتاح فروع لها في الإمارات أو التوسع في أعمالها، كما نجحت في جذب الكثير من الأسماء اللامعة في مجال التكنولوجيا المتقدمة من الولايات المتحدة مثل «مايكروسوفت» و«هيلويت باكارد» و«سيسكو» التي قامت بافتتاح مراكز تشغيل رئيسية على مستوى الشرق الأوسط. وأصبحت الإمارات رمزاً للاقتصاد الذي يقوده أهداف النمو الذكي.

كما أن دولة الإمارات تقدم النموذج على كيفية رعاية رياديي الأعمال وتقديم الحوافز المناسبة لهم بحماس ودون كلل، لقناعة الإمارات بأن الشواهد التاريخية الحازمة تبين أن ريادية الأعمال وحوافر التقدير هما من المقومات التي لا يمكن الاستغناء عنها في أي اقتصاد متطور.

إن الإمارات تشيع الأمل بين شعوب ومجتمعات العالم لأن اهتمامها منصب على نمو مستدام لفترات طويلة من الزمن، لأن هذا هو الذي يغير مستويات الدخول بمقادير كبيرة بما يكفي لتقليل الفقر وزيادة الفرص أمام الناس في العالم لكي يصيروا منتجين وخلاقين.

كما أن تجربة الإمارات الفريدة لا تجعل هناك تناقضاً بين النمو والسعادة، فالنمو لتحقيق السعادة لأن النمو يتيح فرصاً، تقوم بدورها بإطلاق العنان، ليس للأمل فحسب، بل وكذلك لأخلاقيات العمل التي تساعد في تحويل الفرص إلى واقع. ويوجد الكثير من هذه الطاقة، في دولة الإمارات.

* أكاديمي مصري

عن الكاتب

​كاتب مصري - أستاذ للعلوم السياسية والاقتصادية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"