الظواهري.. ومأزق السلام في أفغانستان

00:22 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. إدريس لكريني

أعلن الرئيس الأمريكي، جو بايدن، قبل أيام عن مقتل زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، ضمن عملية عسكرية نوعية ودقيقة، تمت عبر طائرة مسيّرة داخل الأراضي الأفغانية، ما خلف ارتياحاً كبيراً في عدد من الأوساط الدولية التي اعتبرت في الخطوة استمراراً للتضييق على الإرهاب واستئصال جذوره، بخاصة وأن الأمر يتعلق بأحد قادة التنظيم الكبار بعدما جايل بن لادن، وعمل مستشاراً له.

 واعتبرت الولايات المتحدة أن الأمر يتعلق بعملية ردعية، تمت بعد تحريات مكثفة، كرد فعل على خرق «طالبان» لاتفاق الدوحة الذي عقدته مع واشنطن في عام 2020، والذي يقضي بانسحاب القوات العسكرية الأمريكية من أفغانستان في مقابل تعهد «طالبان» بمنع تنظيم القاعدة من التموضع داخل الأراضي الخاضعة لها، وفتح مجال التفاوض بينها (طالبان) من جهة، والحكومة الأفغانية من جهة أخرى. كما برّرت أمريكا العملية أيضاً بكونها تندرج ضمن جهودها للحيلولة دون توظيف التراب الأفغاني للقيام بأعمال تهدّد مصالحها. ومن جانبها اعتبرت «طالبان» أن العملية الأمريكية تجسد مسّاً بسيادة البلاد، وخرقاً لاتفاق الدوحة، مؤكدة أنها لا تعلم باستقرار الظواهري في كابول.

وأمام تبادل الاتهامات بين الطرفين، بدأت المخاوف تتزايد من إمكانية انهيار اتفاق الدوحة الذي مثل نقطة ضوء لإعادة قدر من الاستقرار للبلاد رغم الانحرافات التي قامت بها «طالبان» على الأرض، وهو ما استبعده البعض، بالنظر إلى عدم استعداد «طالبان» للدخول في مواجهات جديدة مع الولايات المتحدة والمعاناة من المزيد من العقوبات، ولرغبتها في الظهور بمظهر الملتزم بمقتضيات الاتفاق بعدم احتضان جماعات إرهابية داخل البلاد. 

إن استحضار الظرفية التي تمت فيها العملية، والتي تتزامن مع مرور ما يقرب من سنة عن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، والذي خلّف انتقادات لاذعة للبيت الأبيض، على اعتبار أن التموقع داخل هذا البلد الغارق في أتون الأزمات والإشكالات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والسياسية، لم يفض إلى تحقيق الأهداف المتوخاة بعد مرور عقدين من الزمن وبكلفة بشرية وعسكرية ومالية ضخمة، يحيل إلى أنها (العملية) تأتي في سياق تخفيف حدّة الاستياء الشعبي الحاصل في هذا الشأن، وبعث رسائل مفادها أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان لا يعني قطّ التساهل مع الإرهاب، أو التراجع عن مكافحته.

 فعلى امتداد أكثر من أربعة عقود ماضية، عاشت أفغانستان على إيقاع الحروب والتدخلات الأجنبية التي أرهقتها، حيث تسببت بسقوط عدد من الضحايا بين قتلى وجرحى ومتشردين خارج الحدود، إضافة إلى تدمير البنى التحتية في البلاد وتعطيل عجلة التنمية، فيما استغلت الجماعات المسلحة هذا الواقع لتتمركز داخل البلاد.

ومع هذه العملية، يتجدد طرح سؤال عن مستقبل أفغانستان في ظل تمركز الإرهاب داخل ترابها، وتنامي حدّة التدخلات الخارجية التي تنامت بشكل كبير خلال العقدين الأخيرين، وأسهمت إلى حد كبير في إحباط كل الجهود والمبادرات الرامية لإقامة دولة مدنية عصرية قادرة على احتضان كل مكونات المجتمع، واستثمار الإمكانات البشرية والطبيعية وكل المقومات المتاحة في سبيل تحقيق التنمية المنشودة.

لا شك في أن القضاء على الظواهري يمثل، في جزء منه، مكسباً سياسياً مهماً لإدارة بايدن الذي سوّقه ك«انتصار كبير» على المستويين، الداخلي والخارجي، لكنه في واقع الأمر لا يعدو أن يكون سوى خطوة رمزية، على الطريق الشائك لمكافحة الإرهاب، فنبأ مقتل رفيقه أسامة بن لادن عام 2011، والذي حظي باهتمام دولي كبير في حينه أيضاً، لم يفض إلى تفكك «القاعدة»، بل شهدت هذه الأخيرة تمدداً في عدد من المناطق المعروفة بتوتراتها؛ كما هو الشأن بالنسبة للصومال واليمن وسوريا وليبيا والعراق.

ورغم تأكيد عدد من الخبراء أن تنظيم القاعدة لن يكون قادراً على تحدي القوة الأمريكية، والتمدد مرة أخرى في مناطق مختلفة من العالم، رغم استهداف قائده مؤخراً، فإن البعض لا يستبعد إمكانية قيام التنظيم بردود فعل تطال مصالح أمريكية وغربية على امتداد مناطق مختلفة من العالم، كسبيل للانتقام والعودة إلى الواجهة من جديد، ما ستكون له تأثيرات سلبية في الاستقرار داخل أفغانستان.

لا تخفى أهمية المقاربة الأمنية ضمن مختلف الآليات الكفيلة بمكافحة الإرهاب، غير أن الممارسات الدولية وعلى امتداد أكثر من عقدين أبرزت أن المراهنة على هذا الجانب كمدخل وحيد، ينمّ في الواقع عن عدم استيعاب للظاهرة بكل مسبباتها ومخاطرها، ذلك أن المكافحة الناجعة للإرهاب تقتضي الوقوف على العوامل المغذية لهذا الأخير في تجلياتها المختلفة، وبلورة استراتيجيات شمولية تستحضر الأبعاد الاقتصادية والنفسية والتربوية والاجتماعية والسياسية للظاهرة، وتجمع بين التدابير المتخذة على المستويات الوطنية، إلى جانب التنسيق والتعاون الدوليين.

[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"