المسار الديمقراطي في كينيا

00:23 صباحا
قراءة دقيقتين
افتتاحية الخليج

كرست الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي أجريت الثلاثاء الماضي في كينيا، الصورة الإيجابية المعززة لهذا البلد الإفريقي الذي يستحق أن يطرح نفسه نموذجاً يحتذى للاستقرار السياسي والسلام الاجتماعي والازدهار والتنمية الاقتصادية.

فالتجربة الديمقراطية الكينية تتصدر التجارب الناجحة للانتقال الديمقراطي على مستوى القارة والعالم الثالث بوجه عام. لقد تخطى الكينيون بسرعة المخاوف التي كانت سائدة، حول احتمالات اندلاع أعمال عنف خلال الحملات الانتخابية وبعد إعلان النتائج. وباستثناء حادثة إطلاق نار واحدة ومعزولة، جرت الانتخابات بسلاسة وسط أجواء هادئة. وفي إطار التوافق على نبذ العنف وتعطيل مفاعيله، قدم مرشحو الرئاسة تعهدات باحترام وقبول نتائج الاقتراع، وذلك للمرة الأولى منذ بدء التعددية السياسية.

لقد نجحت كينيا في الإفلات من شبكة السموم العنكبوتية للولاءات الطائفية التي أضرت بالتجربة الديمقراطية والتعايش السلمي في السابق، وكانت سبباً في الفوضى وأعمال العنف وسيادة خطاب الكراهية. ولاحظ المراقبون أن حملات المرشحين ابتعدت عن خطابات التحريض والغوغائية، وركزت بالمقابل على تعزيز معايير الحوكمة الرشيدة ورفاهية المواطن.

وفي خضم الحملة الانتخابية تعهد المرشح المخضرم رايلا أودينجا بمحاربة الفساد بلا هوادة، وقال إنه سيقر راتباً شهرياً للأسر الأشد فقراً للتخفيف من وطأة التضخم، ويساعد 47 مقاطعة في كينيا على تطوير القدرة التصنيعية لمنتجاتها. وتضمّن برنامجه تعزيز الرعاية الصحية الشاملة والحماية الاجتماعية وإعادة هيكلة الديون الخارجية وتحرير الموارد للاستثمار في البنية التحتية.

وفي المقابل أدار خصمه وليام روتو حملته على أساس ما يسميه «النموذج الاقتصادي التصاعدي»، الذي يسعى لتوجيه الأموال الحكومية إلى القطاعات القادرة على توليد الوظائف، وتعهد باستثمار ملايين الدولارات في الزراعة التي توظف أكثر من 40% من القوة العاملة، وفي الأعمال التجارية الصغيرة.

لقد بلغ المسار الديمقراطي في كينيا بنظر الخبراء، مرحلة النضج. وهي مرحلة لا تشمل طبقة القادة السياسيين والمؤسسات الحكومية والمدنية فحسب، ولكن تلحظ أيضاً التطور الذي طرأ على مزاج جمهور ملايين الناخبين. وتقول الإحصاءات إن 12 مليوناً شاركوا في الاقتراع الأخير لانتخاب الرئيس ونواب البرلمان وأعضاء المجالس المحلية.

وشكلت انتخابات الثلاثاء انعطافة هامة في الواقع السياسي في كينيا، فهي تؤرخ لتنصيب أول رئيس من خارج قومية الكيكويو وهي أكبر القوميات تعداداً، وظلت تتحكم بزمام السلطة منذ أكثر من 20 عاماً. وأصبح هذا التغيير أمراً واقعاً بعد أن رفض الرئيس المنتهية ولايته أهورو كينياتا، الترشح لولاية جديدة احتراماً للدستور الذي لا يتيح له ذلك بعد توليه السلطة لولايتين رئاسيتين. وقدم بالمقابل دعمه للمرشح المخضرم أودينغا وطالب مؤيديه بالتصويت للزعيم «الذي يمكنه توجيه هذا البلد بأمان إلى مستوى آخر من التنمية الاجتماعية والاقتصادية».

إن نموذج النجاح الذي تحققه كينيا وتقدمه للقارة على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ستكون له بلا شك انعكاسات إيجابية هامة في منطقة تواجه العديد من التحديات الأمنية، من بينها تهديدات الجماعات الإرهابية وأوضاع عدم الاستقرار السياسي التي تعصف بالعديد من الدول.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"