بين المروءة وسوء الظن

00:01 صباحا
قراءة دقيقتين

كان أحد الرجال يستعد للاحتفال بزواج ابنه الوحيد الذي أنجبه بعد انتظار طويل، وضمن مظاهر احتفالاته دعا جيرانه لوليمة غداء عامرة لبّاها الجميع، ماعدا جاره الملاصق لبيته، والتي حضرها ابنه الأصغر فقط، متأخراً، وبقي لدقائق معدودة قبل أن يعود مسرعاً إلى بيته. 
 كان والد العريس يراقب ويتساءل في نفسه عن هذا الجار الذي لا يقف مع جاره في أسعد أيام حياته، والذي تخلف عن «العزومة» ولم يحثّ ابنه الأكبر على الحضور، وغيرها من التساؤلات والخواطر التي دارت في ذهنه. 
وبعد انتهاء الوليمة، بدأ المدعوون بالتأهب لإحضار السيارات لجلب العروس من بيت أبيها، ومعهم الابن الأصغر للجار، لكن والد العريس رفض بانزعاج، وقال له إنهم لا يريدون مشاركتهم، فصمَت الولد ولم ينطق بحرف واحد، وعاد أدراجه إلى بيته، وفي تلك الأثناء لمح الأب حركة غير عادية في بيت الجار، لكنه لم يكترث، وعند اكتمال مراسم الزفاف، وبعد أن غادر الجميع مساء، فوجئ الجيران بجنازة تخرج من بيت الجار من غير ضجيج، أو عويل، فسأل والد العريس من المتوفى؟ ليجيبه ابن جاره الأكبر أن والده توفي ظهر اليوم، لكنه عند شعوره بالوفاة أوصاهم بالحفاظ على الهدوء وعدم إظهار الحزن إذا وافاه الأجل؛ لتكتمل فرحة جيرانهم بولدهم، وأوصاهم أن تخرج الجنازة بعد انتهاء الفرح حتى لا تتعكر فرحتهم.
ما الذي شعر به والد العريس حينها، وهو الذي أساء الظن، ورسم سيناريوهات متعددة في ذهنه، وصدّق ظنونه السيئة عن جاره؟ 
كيف وقع الخبر عليه، وكيف استقبل مروءة جاره ونبله وهو في أسوأ حالاته، بينما كان هو غارقاً في الظن السيئ؟ 
تمرّ بنا تجارب كثيرة، نسيء بها الظن بأقرب الناس إلينا، ونكتب القصص في أذهاننا، ونحوك الأفلام والحكايات التي لا تعدو كونها وليدة لظننا المريض.
 فكم من الأشخاص حولنا استطاعوا أن يحرجونا بنبلهم، ووفائهم وقدرتهم على الإيثار بشكل يبدو نادراً، وغير منطقي في زمننا؟ 
نحن بحاجة لإعادة النظر في تعاملنا مع الأقربين قبل الغرباء، في محاولة فتح أبواب جديدة للعطاء والإيثار والتسامح وحسن الظن، وفي الرغبة في إصلاح ما انكسر بيننا، وما تراكم في قلوبنا حتى غدت كالحمم لغليانها وغيظها، وكالليل في سوادها وغيّها، وكالحجر في قسوتها، كي لا نشعر بما شعر به والد العريس حين توفي جاره ، بينما كان هو بعيداً عنه. 
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"