عادي

«عبور واشنطن لنهر ديلاوير».. الرسم يدون التاريخ

واحدة من أشهر اللوحات الأمريكية
19:36 مساء
قراءة 5 دقائق
واشنطن يعبر نهر ديلاور

الشارقة: عثمان حسن

إيمانويل ليوتزي (1816 - 1868) رسام التاريخ الأمريكي، وهو من أصول ألمانية، وابن مدرسة دوسلدورف، تسمى الآن (أكاديمية دوسلدورف الحكومية للفنون)، هذه المدرسة التي اهتمت بتمثيل الرسم التاريخي والمناظر الطبيعية وتصوير الحياة في جميع وجوهها، ولعبت دوراً في «الفن البرجوازي في القرن الـ19». ومن رموزها: جورج كالب بينغهام، وديفيد إدوارد كرونين، وإيسمان جونسون، إيمانويل ليوتزي، وريتشارد كاتون، وهيلين سيرل، وويليام موريس هانت، وغيرهم.

جذبت المدرسة الطلاب من جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة بين ثلاثينات وستينات القرن التاسع عشر.

* الجنرال واشنطن

إيمانويل ليوتزي، هو صاحب لوحة «عبور واشنطن لنهر ديلاوير»، وهي اللوحة الأشهر في تاريخ أمريكا والأوسع انتشاراً، وأنجزها في عام 1851، بألوان الزيت على قماش بأبعاد 378.5 سم × 647.7 سم، واللوحة محفوظة اليوم في متحف متروبوليتان للفنون، نيويورك، وهي تظهر الجنرال واشنطن في الحرب الثورية الأمريكية، وهو يعبر نهر « ديلاوير» مع قواته ليلة 25 ديسمبر/ كانون الأول 1776، وأدى العبور إلى هجوم واشنطن المفاجئ على قوات هسه، في المعركة الشهيرة باسم «ترينتون» بنيوجيرسي.

* 43 مليون دولار

أنهى ليوتزي النسخة الأولى من اللوحة في عام 1850، لكن حريقاً اندلع في الاستوديو الخاص به، أدى إلى إتلافها. بعد ذلك، قام ليوتزي بإنشاء نسخة طبق الأصل في 1851 وظهرت بحجم كبير يناسب حجم الشخصيات المرسومة، وهي موجودة الآن في متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك، كما رسم نسخة أخرى موجودة اليوم في ردهة استقبال الجناح الغربي في البيت الأبيض، في واشنطن العاصمة.

وفي مارس/ آذار 2015، تم عرض اللوحة للبيع في متحف مينيسوتا للفنون البحرية في وينونا، وفي إبريل/ نيسان 2022، أعلنت دار كريستيز أن اللوحة الأصغر ستباع في مزاد في مايو/ أيار، وبيعت بمبلغ 43 مليون دولار.

* تقنية

تتميز اللوحة بتكوينها الفني، حيث يظهر واشنطن شامخاً على نحو مبالغ فيه، كأن وجهه يحاول قبض الشمس، أما ألوان اللوحة فرسمها ليوتزي في الأغلب من درجات اللون الداكن كما هو متوقع عند الفجر، ولكنّ هناك نقاطاً حمراء متكررة في جميع أنحاء اللوحة، كما ظهرت خلف المركب قوارب بعيدة تضفي مهابة وعمقاً على الحادثة التاريخية الشهيرة في الولايات المتحدة، وهي واقعة الحرب الثورية في المستعمرات التي قادها واشنطن، والتي تسمى أيضاً الحرب القارية.

يمثل الأشخاص الموجودون في القارب مقطعاً عرضياً من سكان المستعمرات الأمريكية، فهناك رجل يرتدي قلنسوة يبدو أنه من أصول اسكتلندية، ورجل من أصل إفريقي بجانب بعضهما بعضاً في المقدمة، وهناك رجال مسلحون ببنادق عند مقدمة السفينة، ومؤخرتها، وثمة مزارعان يرتدي كل منهما قبعة عريضة الحواف بالقرب من الخلف (أحدهما مع ضمادة الرأس). ويوجد أيضاً رجل في مؤخرة القارب يرتدي على ما يبدو أنها ملابس أمريكية محلية لتمثيل فكرة أن جميع الأشخاص في الولايات المتحدة الأمريكية الجديدة تم تمثيلهم على أنهم حاضرون في القارب جنباً إلى جنب مع واشنطن في طريقه إلى النصر والنجاح.

* قراءة

بدت قضية المستعمرات قاتمة بشكل استثنائي مع اقتراب عام 1776 من نهايته. وفي خطوة عسكرية اجتازت الخط الرفيع بين التألق واليأس، قاد واشنطن الجيش عبر نهر ديلاوير بعد حلول الظلام في 25 ديسمبر/ كانون الأول، فهاجم معسكر هيسان خارج ترينتون، نيو جيرسي، وحقق وجيشه مفاجأة تكتيكية غير مسبوقة، وأحرزوا نصراً عسكرياً وأخلاقياً، كانوا في أمسّ الحاجة إليه، وقد قتل جيش واشنطن 22 جندياً من الهسيين، وجرح 98 آخرين، وأسر أكثر من 1000 (كان الهسيون جنوداً ألمان استأجرتهم الإمبراطورية البريطانية)، وكانت خسائر جيش المستعمرات أقل من عشرة جنود بين قتيل وجريح، وبعد العديد من النكسات العسكرية في الشمال، ساعدت الخطوة الجريئة لواشنطن ليلة عيد الميلاد عام 1776 في توفير شعور بالأمل للقضية الاستعمارية.

مثّل الهجوم الذي قاده واشنطن بمعيّة 2500 رجل ضد الهسيين سنة 1776م بترينتون، نيوجرسي، منعرجاً حاسماً في حرب الاستقلال، وقد قوبل الرسم الذي أبدعه ليوتزي بالترحيب والتهليل في الولايات المتحدة، وتعود شهرة اللوحة بشكل خاص إلى انتقاء موضوعها، والتغني بالروح الوطنية الأمريكية التي تنامت أواسط القرن الـ 19، كما تعود شهرتها إلى أبعادها المدهشة التي تكسب المشهد برمته تأثيراً قوياً، وبالرغم من عيوبها الطفيفة فإنها تظل موضع تبجيل وتقدير، والأشهر في تاريخ الفنون الأمريكية والأوسع انتشاراً.

*نقد

يقول الناقد الفني د. باريش: «هناك القليل من الدقة التاريخية في اللوحة، فلم يتم إنشاء العلم المصور في اللوحة إلا بعد مرور عام تقريباً على المعركة، كما أن القارب المرسوم كان بحجم صغير جداً لاستيعاب الـ 12 رجلاً على متنه».

وعلاوة على ذلك، فإن نهر ديلاوير في الواقع، هو ممر مائي ضيق، يصعب عبور واشنطن ورفاقه من خلاله، ويبدو أن ليوتزي قد رسم نهراً بعرض الراين وتشكيله الجليدي، والأكثر إثارة للاهتمام، هو رسم جورج واشنطن واقفاً في منتصف القارب وهو منتصب القامة، وهو أمر بعيد عن الواقع، خاصة في قارب صغير، كما بدا واشنطن أكبر بكثير مما كان عليه خلال المعركة، ووقوفه على هذه الشاكلة، ربما يتسبب بانقلاب القارب الذي ظهر في اللوحة صغيراً وقصير الحواف، ومع ذلك، فقد كان غرض ليوتزي، هو إنشاء عمل فني يمجّد الجنرال واشنطن، والقضية المركزية في المستعمرات الأمريكية، ما يثير إحساساً عميقاً بالفخر القومي.

* مثال

نشأ إيمانويل لويتزي في أمريكا، وحين عاد إلى ألمانيا بعد سنوات، استوحى فكرة هذه اللوحة من ثورات 1848، على أمل تشجيع الإصلاحيين الليبراليين في أوروبا، مقدماً الثورة الأمريكية كمثال، شاهَد لوحة «واشنطن يعبر ديلاوير» بعد إنجازها بالحجم الأصلي في عام 1851 أكثر من 50000 شخص، واشترى مارشال. أو. روبرتس اللوحة مقابل 10000 دولار، وهو مبلغ ضخم، ويعادل في هذه الأيام أكثر من 350 ألف دولار، وقد تم تناقل اللوحة أكثر من مرة من قبل المقتنين والمشاهير، وأخيراً تم التبرع بها لمتحف المتروبوليتان للفنون، من قبل جون ستيوارت كينيدي في عام 1897.

* محاكاة

في عام 1953، رسم الفنان الأمريكي لاري ريفرز «واشنطن يعبر نهر ديلاوير»، ولوحته موجودة ضمن مقتنيات متحف الفن الحديث بنيويورك. وقد ألهمت اللوحة أيضاً روي ليشتنشتاين فقدم (نسخة تعبيرية تجريدية في عام 1951)، وقدم روبرت كوليسكوت محاكاة ساخرة بعنوان (جورج واشنطن يعبر ديلاوير في عام 1975)، إلى ذلك، فقد استفاد غرانت وود بشكل مباشر من لوحة ليوتزي، فرسم لوحة «بنات الثورة»، في محاكاة ساخرة موجهة للنخبة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"